الخرطوم=^المندرة نيوز^
السلام عليكم ورحمة الله دكتور مصعب، ومتعكم الله جميعاً بموفور الصحة والعافية، فهي أغلى ما يملك الإنسان، وكل شيء بعدها يمكن تعويضه كما يقال في مأثورنا الشعبي. هكذا راسلنى الاستاذ احمد حسن ادريس عبر الإيميل مهديا الى هذا المقال الذى أتشاركه معكم اليوم بتصرف، إن العافية التي نسعى إليها ليست مجرد خدمة ننتظرها من الدولة، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من وعي الفرد وتصرفاته اليومية، فالحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن نظرتنا للصحة باعتبارها واجباً حكومياً صرفاً قد أضرت ببيئتنا ضرراً بليغاً، وجعلت المواطن والبيئة معاً يدفعان ثمناً غالياً من استقرارهم وسلامتهم. ومهما بلغت قدرة السلطات على توفير الخدمات العلاجية أو إصحاح البيئة، فإن الجهد سيظل ناقصاً ما لم يتغير سلوك الإنسان الذي أصبح، للأسف، خصماً على بيئته بدلاً من أن يكون جزءاً من توازنها الفطري، فبينما تعمل الكائنات الأخرى بانسجام، نجد أن التدهور البيئي غالباً ما يكون من صنع أيدينا، سواء عبر الممارسات الخاطئة أو إهمال المخلفات التي تنشر الميكروبات وتدمر المكان.
إن أي تحرك لإصلاح البيئة بعيداً عن الشخص المتسبب في تدهورها هو “حرث في البحر”، فالحل الجذري يبدأ عندما يقتنع كل فرد بضرورة التحول من عدو للبيئة إلى صديق ومصلح لها. هذا التحول يتطلب أن يتحمل كل إنسان مسؤولية تصرفاته وما ينتج عنها من إفرازات، بحيث يراعي الصحة العامة في حركته وسكنه، ومن العدل ألا يدفع المجتمع كله ثمن إهمال شخص واحد؛ فليس من المنطقي أن يربح البعض من أنشطة تضر بالبيئة، ثم تذهب أموال الضرائب والرسوم التي هي حق للخدمات العامة لمعالجة أخطاء هؤلاء الأفراد. إن ميزان العدل يقتضي ألا يُكافأ المسيء بترك غيره ينظف وراءه، بل يجب أن يتحمل تكلفة إصلاح الضرر الذي تسبب فيه، وهذا بحد ذاته سيخلق وعياً ذاتياً يجعل السلوك الصحيح هو الخيار الأوفر والأفضل للجميع.
عندما يتبنى المجتمع مبدأ “إصحاح البيئة الذاتي”، سيحدث التغيير بسرعة مذهلة، لأننا سنحول مئات الآلاف من المواطنين إلى “مراقبين صحيين” لأنفسهم بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من عمال النظافة الذين لا يمكنهم ملاحقة استهتار الجميع. في هذا النموذج المتطور، يتحول دور موظفي الصحة إلى مراقبين مهنيين يحددون حجم الضرر ويقدرون التكلفة، بينما يُترك التنفيذ للقطاع التجاري والشركات المتنافسة التي يتعاقد معها الأفراد أو المجموعات مباشرة لنقل نفاياتهم أو تنظيف مجاريهم. هكذا تتحول الدولة من “مقدم خدمة” يغرق في التفاصيل اليومية ويفشل فيها، إلى “حكم” قوي يراقب ويحاسب ويضع الجزاءات، وهو النهج الذي تتبعه كل الدول المتقدمة التي أدركت أن وظيفة الحكومة هي التحكم والرقابة لضمان العدالة، لا القيام بأدوار الأفراد نيابة عنهم.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن بناء مجتمع معافى يبدأ من مواجهة الحقيقة؛ وهي أن الدولة ليست خادماً يلملم أخطاء المستهترين، بل هي المظلة التي تحمي الملتزمين وتلزم المقصرين بدفع ثمن تقصيرهم. الوعي الحقيقي هو أن تدرك أن عافيتك مرتبطة بنظافة شارعك، وأن يدك التي تمسك بها عن الأذى توفر عليك وعلى بلدك موارد ضخمة يمكن استثمارها في مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
وأخيرًا، لقد حان الوقت لننتقل من ثقافة “الاتكال” إلى ثقافة “المسؤولية”، حيث يكون القانون هو الفيصل، والجزاء هو الرادع، تماماً كما يحدث في المدن العالمية الناجحة التي لم تتقدم إلا بصرامة الرقابة وحرص المواطن. إن العافية أمانة، والبيئة مستودع هذه الأمانة، والمحافظة عليها ليست تفضلاً من أحد، بل هي ضريبة الحياة الكريمة التي نستحقها جميعاً.
“النضافة بتبدأ منك.. عشان العافية تعمّ الكل”
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 11 فبراير 2026م





