الخرطوم=^المندرة نيوز^
في خضم ما يشهده السودان من دمار، قد لا ينتبه الكثيرون إلى الضحية الصامتة التي لا تملك صوتاً لتصرخ، وهي بيئتنا التي نعيش فيها. فالحرب التي دارت رحاها لم تكتفِ بتخريب المباني والجسور، بل سممت الهواء، ولوثت المياه، وأحالت مساحات خضراء إلى رماد. وأمام هذا الواقع المؤلم، يبرز السؤال الجوهري ونحن نتابع انعقاد المؤتمر الأول للمؤسسات البيئية الاتحادية والولائية في القضارف: هل يكفي أن نضع “خطة إسعافية” سريعة لمعالجة كارثة بهذا الحجم؟ الإجابة الصادقة والموجعة هي: لا، فالأمر أعقد بكثير من مجرد جرح سطحي نضع عليه ضمادة ونمضي.
إن الحديث عن خطط سريعة أو “فزعة” لمعالجة التدهور البيئي هو نوع من الهروب من الحقيقة؛ فالبيئة ليست كالمباني يمكن إعادة إعمارها في سنوات قليلة. الأرض التي تشربت مخلفات المتفجرات، والغطاء الشجري الذي أُبيد، ومصادر المياه التي تلوثت، تحتاج إلى دورة زمنية قد تمتد لقرون حتى تستعيد عافيتها وتوازنها الطبيعي. ومع ذلك، لا يمكننا أن نبخس مؤتمر القضارف حقه، فهو خطوة شجاعة ومهمة، ومحاولة لكسر حاجز الصمت والجمود، لكن الخوف كل الخوف أن ينتهي الأمر بمجرد توصيات ورقية، بينما يظل الجسد البيئي السوداني عليلاً، يعاني من “الهزال التنسيقي” بين الخرطوم والولايات.
المشكلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم ليست في نقص الخبراء أو غياب النوايا الحسنة، بل في أن “البوصلة” البيئية في السودان تحتاج إلى إعادة ضبط شاملة. لقد أدمنت مؤسساتنا البيئية لسنوات طويلة سياسة “إطفاء الحرائق”، أي التحرك فقط عند وقوع الكارثة، والعمل بنظام “رزق اليوم باليوم” دون رؤية للمستقبل. هذا التخبط جعل الجهود مبعثرة، فاليد اليمنى لا تدري ما تفعله اليسرى، والعمل يسير بلا استراتيجية موحدة قادرة على الصمود أمام التحديات الجسيمة التي خلفتها الحرب.
إن الخروج من نفق هذه الأزمة يتطلب شجاعة للاعتراف بأننا بحاجة لنسف الطرق القديمة في التفكير، وبناء منظومة عمل جديدة تماماً. منظومة لا تكتفي برد الفعل، بل تمتلك القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل النفس، وتدرك أن حماية البيئة هي حماية للأمن القومي الغذائي والمائي للسودانيين.
بعد اخير :
خلاصة القول، علينا أن ندرك أن التعافي البيئي ليس نزهة قصيرة، بل هو ماراثون طويل وشاق. الحرب تركت لنا تركة ثقيلة من التلوث والدمار الذي سيمتد أثره لأجيال قادمة إذا لم نتداركه الآن برؤية علمية صارمة وليست مجرد حلول ترقيعية.
وأخيرًا، إن الفرصة الحقيقية اليوم ليست في الإعلان عن خطة إسعافية عاجلة تنتهي بانتهاء المؤتمرات، بل في وضع حجر الأساس لمشروع وطني ضخم يعيد للبيئة السودانية عافيتها، ويضمن أن يجد أبناؤنا أرضاً صالحة للعيش، ومياهاً صالحة للشرب، وهواءً نقياً يتنفسونه، بدلاً من أن نورثهم وطناً عليلاً أنهكته الحروب وأهمله التخطيط.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 15 فبراير 2026م







