الخرطوم=^المندرة نيوز^
في ظل هذه الأيام القاسية والظروف الاستثنائية التي تعتصر بلادنا، تتجه أنظار السودانيين بحثاً عن نقطة ضوء تبعث على الأمل. وسط هذا الركام، تقف ولاية القضارف كنموذج لافت للاستقرار والتنمية، وهو استقرار لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة لجهود مخلصة وعمل صامت تقوده حكومة الجنرال محمد أحمد حسن “ود الشواك”.
وفي هذا السياق، طالعنا المقال القيم للكاتب الحصيف الأستاذ الفاتح داؤود، الذي وضع يده بذكاء على أحد أهم أسرار هذا النجاح. أهمية مقال داؤود لا تكمن فقط في إنصافه لجهود حكومة الولاية، بل في تقديمه “خارطة طريق” عملية ووثيقة حية تستحق أن تدرسها وتطبقها بقية حكومات الولايات السودانية الأخرى.
بصفتي مراقباً وخبيراً أمضى أكثر من عشرين عاماً في أروقة المسؤولية المجتمعية، رأيت كيف تُهدر أموال طائلة تحت هذا المسمى في احتفالات صاخبة ولافتات سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن ما حدث في القضارف كان انقلاباً حقيقياً على هذا المفهوم المشوه.
لقد نجحت حكومة الجنرال في تصحيح مسار العلاقة بين الشركة السودانية للموارد المعدنية والمجتمعات المحلية المتأثرة بالتعدين. بهدوء واحترافية، وبعيداً عن ضجيج الكاميرات، تحولت أرقام الأموال الصامتة إلى شرايين تنبض بالحياة، تثبت أن التعدين يمكن أن يكون نعمة تبني المجتمعات إذا توفرت الإرادة السياسية النظيفة والمهنية العالية.
السر يكمن في التوظيف الذكي للموارد. فقد لعبت وزارة المالية بالولاية دوراً محورياً حين نزلت إلى الأرض وتلمست أوجاع الناس الحقيقية، خاصة في محليات البطانة وقلع النحل.
لم يأتوا بمشاريع مستوردة، بل وجهوا عائدات الذهب لعصب الحياة. رمموا المستشفيات ووفروا الأجهزة الطبية لإنقاذ أرواح الأمهات والأطفال، وبنوا المدارس لتأمين مستقبل الأجيال. والأهم من ذلك، خاضوا معركة العطش، التحدي الأكبر في تلك الأصقاع، عبر حفر الآبار وتشييد الحفائر والسدود.
هذا هو المعنى الحقيقي للمسؤولية المجتمعية؛ أن يشعر المواطن البسيط أن ثروات أرضه تنعكس صحةً وتعليماً وماءً زلالاً في بيته.
هذا الإنجاز يضعنا أمام استحقاقات المرحلة القادمة، فنجاح التجربة يفتح الباب لآمال أكبر. نحن بحاجة الآن للبناء على هذا الأساس المتين والانتقال إلى مشاريع التنمية المستدامة النوعية.
عيننا الآن على البنية التحتية، وعلى وجه الخصوص تعبيد الطرق التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، إلى جانب التوسع المدروس في مشاريع حصاد المياه لخدمة الزراعة والرعي، فهذه هي الروافع الحقيقية للاقتصاد المحلي والتي ستضمن استدامة الرخاء لأهلنا في القضارف.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن تجربة القضارف في إدارة ملف المسؤولية المجتمعية ترسل رسالة بليغة لكل السودان. لقد أثبتت حكومة “ود الشواك” أن التنمية الحقيقية لا تحتاج إلى معجزات، بل تحتاج إلى إدارة رشيدة تحترم إنسانها.
وأخيرًا، الذهب الحقيقي، كما أوحت سطور مقال الفاتح داؤود، ليس ذلك المعدن الأصفر الذي نستخرجه من باطن الأرض، بل هو الإنسان السوداني الصابر الذي يستحق أن نسخر له كل الموارد ليعيش بكرامة، والقيادة الواعية التي تدرك أن الاستقرار يبدأ من رضا المواطن وتنمية مجتمعه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعه | 10 أبريل 2026م







