الخرطوم=^المندرة نيوز^
في خطوة صادمة زادت من قتامة المشهد الاقتصادي المنهك، قفز الدولار الجمركي في السودان إلى مستوى غير مسبوق مسجلاً 3222.80 جنيهاً. هذا القرار المفاجئ لم يكن مجرد تعديل روتيني للأرقام، بل قفزة كارثية بنسبة 14% مقارنة بالسعر السابق البالغ 2827.61 جنيهاً.
وقد انتقد رئيس الغرفة القومية للمستوردين، الصادق جلال الدين صالح، هذه الخطوة بشدة وبحسرات محقة، مؤكداً أنها تمثل أداة سريعة لزيادة تدهور قيمة الجنيه السوداني، وتضييقاً قاسياً وخنقاً مباشراً لما تبقى من قدرة المواطن البسيط على تدبير “معاش الناس” في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
زيادة الرسوم الجمركية في ظروف الانكماش الاقتصادي وتوقف عجلة الإنتاج ليست حلاً للمشكلات، بل هي حرفياً بمثابة صب الزيت على النار المشتعلة. إن الاعتماد الدائم على الجبايات السهلة كعصا سحرية لسد عجز الموازنة العامة هو تفكير اقتصادي قاصر، أثبتت الأيام والوقائع بطلانه بشكل قاطع.
فبدلاً من تحقيق الهدف المعلن باستقرار أسعار الصرف، يؤدي هذا النهج العقيم لارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، مما يضاعف معدلات التضخم ويدفع بمئات الآلاف من الأسر السودانية إلى قاع الفقر والعوز.
تجارب العالم من حولنا تؤكد هذا الخطل بوضوح؛ فدول مثل الأرجنتين ولبنان حاولت في أزماتها سد عجز الموازنة بفرض رسوم غير مباشرة في ظل انهيار عملتها الوطنية، فكانت الحصيلة ركوداً أعمق، وانهياراً أسرع للأسواق.
الحلول الناجعة لا تأتي أبداً من جيوب المواطنين المنهكة، بل من سياسات حقيقية لتنشيط الإنتاج. يجب توجيه الدفة فوراً نحو خفض الإنفاق الحكومي في بنوده غير الضرورية، وتشجيع الصادرات عبر إزالة الرسوم عنها، وتقديم حوافز حقيقية وعملية لجذب مدخرات المغتربين عبر القنوات الرسمية بدلاً من تنفيرهم.
ولنا في تجربة رواندا والبرازيل أسوة حسنة، حيث نهضت اقتصاداتها في أحلك الظروف عبر إعفاءات ضريبية ذكية للمنتجين، وتبسيط للإجراءات، مما خلق بيئة عمل أعادت الثقة للعملة المحلية وكسرت شوكة التضخم.
بعد اخير :
خلاصة القول، الاقتصاد السوداني لن يتعافى بفرض المزيد من الأعباء على كاهل المواطن، بل بتفكير مبتكر وجريء يخرج من عباءة الحلول التقليدية المكررة. نحن بحاجة ماسة ومستعجلة إلى سياسة اقتصادية تضع أولوية قصوى لحياة الناس اليومية، وتستوعب تماماً أن الجنيه لا يمكن دعمه بقرارات جمركية فوقية، بل بإنتاج حقيقي يلامس الأرض، وعقول تخطط بشفافية للمستقبل.
وأخيرًا، إن استمرار الدولة في نهج الجباية لسد العجز هو استنزاف خطير لآخر قطرات الصبر المتبقية لدى الشارع السوداني. الوقت ينفد بسرعة، وإذا لم نتدارك هذا الانزلاق بخطط إصلاح هيكلي شاملة توقف هذا التدهور وتنعش الإنتاج، فإننا لا نغامر فقط بأرقام الاقتصاد، بل باستقرار وطن بأكمله يئن بصمت تحت وطأة أزمات متلاحقة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 11 أبريل 2026م







