المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: مقصلة المصادر الموثوقة.. رشان أوشي: مذنبةٌ أطلقت الرصاصة، أم ضحيةٌ لقاتلٍ في الظل؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل تساءلت يوماً عن المسافة الفاصلة بين الحقيقة المطلقة والوهم المتقن؟ في عالم الصحافة، تبدو هذه المسافة أحياناً أقصر من ومضة عين، وأخطر من حقل ألغام. نحن نمتهن البحث عن المتاعب، نركض خلف السبق الصحفي بشغف كبير، لكننا ننسى أحياناً أن النوايا الطيبة وحدها لا تصنع حقيقة، ولا تحمي ظهراً في ساحات المحاكم الباردة إذا غاب الدليل الدامغ الذي يخرس الشك.

قضية الزميلة رشان أوشي، التي انتهت بها خلف القضبان، تفتح جرحاً عميقاً يتجاوز مأساتها الشخصية ليمس صميم المهنة. القصة باختصار ليست مجرد حكم بالسجن لمدة عام وغرامة عشرة ملايين جنيه، بل هي تجسيد حي ومؤلم لفخ “المصادر الموثوقة”. كيف يمكن لتسريب متعمد أن يدمر مستقبل ضابط جوازات، ويزج بصحفية في السجن، بينما يظل الفاعل الحقيقي آمناً في الظل يتفرج على الحريق؟

بدأت المأساة حين مرر مصدر موثوق معلومات تفصيلية عن فساد مالي وإداري للضابط عبد المطلب بسفارة السودان بالقاهرة. نُشرت الأرقام بجرأة، فتحركت السلطات فوراً وفُصل الرجل من منصبه. لكن تحقيقات اللجان اللاحقة أثبتت براءته التامة، ورغم ذلك، رُفضت عودته بحجة حساسية “الرأي العام”. هكذا وجد الضابط نفسه مجرداً من وظيفته وسمعته، ولجأ للقضاء بحثاً عن حقه المهدر، ليقع سيف العدالة على رقبة الصحفية وحدها.

في المدارس الصحفية العريقة والتجارب الدولية الصارمة، يُعتبر كلام “المصدر الموثوق” مجرد طرف خيط، وليس حبل مشنقة. الصحافة الاستقصائية في العالم تبني قضاياها على الوثائق والمستندات لا على الثقة المفرطة. لقد أخطأت رشان حين صدقت من سربوا لها المعلومات دون أن تتسلح بأوراق تحميها من مقصلة القضاء. لقد استُخدمت كأداة لتصفية حسابات داخلية، وحين حانت لحظة الحساب، تبخر الجناة الحقيقيين وتركوا لها فاتورة الفخ بدم إجرامي بارد لتدفعها بالكامل.

دعونا ننظر إلى الخسائر المروعة على أرض الواقع. عائلة الضابط اهتزت بعنف، وابنته تركت جامعتها تحت وطأة التشهير وتداعيات الفصل التعسفي. هذا هو الأثر القاتل للكلمة حين تنفلت دون قيد أو تثبت. وفي المقابل، تدفع رشان ثمن انحيازها لما ظنته حقاً ومصلحة عامة، لتصبح ضحية لجهات تتقن فن التخفي القانوني. الظلم هنا مزدوج، طال الشاكي والمشكو ضدها، بينما الجناة الحقيقيون لا يزالون يمارسون نفوذهم.

قبل أن نغلق هذا الملف المليء بالشجن، علينا أن ندرك أن الحل ليس في التشفي أو استمرار المعاناة. الضابط الذي أنصفه القضاء، يستحق العودة لموقعه معززاً، ورد الاعتبار له بات واجباً أخلاقياً وإدارياً. ورشان تحتاج إلى وقفة مراجعة شجاعة، فالاعتذار عن الخطأ غير المقصود فضيلة كبرى، والرجوع للحق قوة. المعركة الحقيقية يجب ألا تكون بين ضحايا الخديعة، بل ضد أولئك المجرمين الذين يعبثون بأقدار الناس ومصائرهم.

بعد اخير:
خلاصة القول، ستمر هذه المحنة وتبقى الدروس القاسية محفورة في ذاكرة المجتمع. الانتصارات التي تُبنى على تدمير الآخرين في الخفاء هي مكاسب زائلة لا محالة، والكلمة العارية من الدليل هي رصاصة طائشة تقتل صاحبها قبل غيره.

وأخيرًا، لا تصدق كل ما يُهمس لك في الغرف المغلقة؛ فخيانة المصدر تبدأ في اللحظة التي يطلب منك فيها أن تكون بطلاً للقصة، ليظل هو مخرجها الآمن.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 22 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *