المندرة نيوز

مصعب بريــر أرقين يكتب: مقبرة الكرامة على أبواب الوطن ..! > حيث يتحول طريق العودة إلى جحيم، وتُداس إنسانية المواطن تحت أقدام الإهمال.

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل جربت يومًا أن تقف لساعات طويلة تحت شمس حارقة، بلا مأوى يقيك الهجير، وأنت تحمل حقائبك وأطفالك في انتظار أن يُسمح لك بدخول وطنك؟ هذا المشهد ليس مقطعًا من فيلم وثائقي عن حقبة غابرة، بل هو واقع يومي يعيشه المسافرون والعائدون في معبر أرقين الحدودي. هذا المعبر لا يمثل مجرد نقطة عبور جغرافية، بل يقف اليوم كشاهد حي على أزمة إدارة مستحكمة، ومرآة تعكس كيف يمكن للإهمال أن يحول بوابات الأوطان إلى ساحات للمعاناة المفتوحة.

رغم الزيارات الرسمية المتكررة والتوجيهات الرنانة التي طالعتنا بها الأخبار لتحسين بيئة العمل هناك، إلا أن النتيجة الماثلة على الأرض تبدو صفرية بامتياز. لا صالات انتظار تليق بالبشر، ولا مرافق خدمية أو صحية تخفف عناء السفر، بل فوضى عارمة وابتزاز منظم وأسعار خرافية لتذاكر الباصات إن وُجدت. يفترش الناس الأرض ويتوسدون أمتعتهم لأيام، في مشهد يجسد مقولة عجز القادرين عن التمام، حيث تُرك المواطن وحيدًا يواجه مصيره وسط غياب تام لأي تدخل حكومي حقيقي يخفف من هذا العبء الثقيل.

لو تأملنا تجارب الدول المجاورة أو البعيدة التي تدرك القيمة الاستراتيجية لمعابرها، لوجدناها تخضع لأعلى المواصفات الهندسية والأمنية، وتُدار بأنظمة رقمية تسهل حركة التجارة والأفراد بسلاسة تامة. المعابر في العالم الحديث هي الواجهة الحضارية والشريان الاقتصادي، بينما يقبع معبر أرقين في عصور ما قبل التاريخ، بكل ما فيه من عشوائية وبدائية. هذا التناقض الصارخ يؤكد حقيقة مؤلمة؛ وهي أننا لن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام طالما بقيت ذات العقول التقليدية هي التي تدير عجلة التنمية في البلاد.

تطوير هذه البنية التحتية لا يتطلب معجزة، بل يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة من وزارة المالية وشركات هندسية ذات كفاءة حقيقية، بعيدًا عن ثقافة الوساطات والشركات الوهمية التي تُفرخ في ليلة وضحاها لتنفيع الأقارب والأصدقاء. هذه الإخفاقات المتراكمة لا تنفصل عن واقعنا اليومي المرير، حيث نقف في طوابير الخدمات الأساسية ونعاني في الحصول على الكهرباء والدواء. نحن نعيش في بلد يزخر بالموارد الضخمة، لكنه يرزح تحت وطأة سوء الإدارة وغياب التخطيط، مما يعطل أي مسعى للتغيير والنهوض.

رسالتنا اليوم نوجهها مباشرة إلى رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء؛ إن هؤلاء العائدين عبر أرقين هم مواطنون أثقلت كواهلهم ظروف قاهرة، ولم يختاروا التشرد طوعًا. إنهم يستحقون استقبالًا يليق بكرامتهم، وترتيبًا يحترم إنسانيتهم، لا أن يُعاقبوا مرتين، مرة بفقدان استقرارهم وأخرى بالإذلال على بوابات الوطن. الانشغال بهوامش الأمور وترك المواطن فريسة لهذه المأساة المتصاعدة، هو مؤشر خطير يدل على غياب الرؤية الشاملة التي تضع الإنسان في قلب اهتمامات الدولة المنهكة.

بعد اخير:
خلاصة القول، إن استمرار هذا الوضع الكارثي ليس ناتجًا عن فقر في الميزانيات بقدر ما هو إفراز طبيعي لبيئة إدارية مترهلة تعيق كل محاولة جادة للإصلاح. قبل أن نلقي باللائمة على سلوك الأفراد في استغلال حاجة المسافرين، علينا أن ندرك أن الخلل أعمق بكثير.

وأخيرًا، تذكروا دائمًا؛ ليست المشكلة الأساسية في مجرد الفساد الفردي أو الجشع البشري، بل المشكلة الحقيقية تكمن في النظام الذي يدفعك دفعًا لتكون فاسدًا. إما أن نبني مؤسسات تحترم كرامة الإنسان أولًا، أو نظل ندور للأبد في هذه الحلقة المفرغة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 31 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *