المندرة نيوز

وجه الحقيقة_ إبراهيم شقلاوي يكتب.. أصحاب الوجعة

الخرطوم=^المندرة نيوز^
درج السودانيون على استخدام مفردات عامية تختصر حكايات كاملة في كلمة أو كلمتين، كما نعرفها في الفلسفة “جامعة مانعة” حيث تنجح في النفاذ إلى جوهر المعنى بأكثر مما تفعله الخطابات المطولة. ومن بين هذه المفردات تعبير “أصحاب الوجعة” ، وهو وصف يطلق عادة على الذين يصيبهم الأمر في صميم حياتهم ، ويتحملون كلفته وتبعاته، فلا يكونون مجرد متابعين أو معلقين على الأحداث، بل جزءاً منها وشركاء في نتائجها.

ولهذا لم يكن استدعاء رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لهذا المفهوم في خطاب العيد للشعب السوداني، وهو يتحدث عن الحوار السياسي المرتقب، إلا طرحاً لسؤال الشرعية السياسية: من يملك حق الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني والمشاركة في صياغة مستقبل البلاد ، والتحدث باسم الناس لتأسيس الانتقال القادم .

ومن هذا المنظور، يكتسب خطاب البرهان أهمية تتجاوز مضمونه المباشر، إذ يفتح أسئلة مهمة حول شكل المرحلة المقبلة وحدود المشاركة فيها ومصادر الشرعية التي ستقوم عليها. ويأتي حديثه عن حوار سياسي شامل داخل السودان بمشاركة من سماهم بـ “أصحاب الوجعة” باعتباره المفتاح الدلالي الأبرز في الخطاب. غير أن هذا المفهوم، لا يقف عند توصيف المتضررين من الحرب، بل يمتد إلى إعادة تعريف من يملكون حق الفعل السياسي في هذا التوقيت الذي يعاد فيه بناء الدولة ويصنع مستقبلها.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، التي قادتنا إليها المحاولة الإنقلابية لمليشيا الدعم السريع وداعميه المحلين والإقليميين ظل الصراع في السودان يدور على مستويين متوازيين: صراع عسكري على السيطرة الميدانية، وصراع سياسي على شرعية تمثيل الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، يبدو خطاب البرهان وكأنه يسعى إلى نقل مركز الثقل من معركة ضغط المنابر الخارجية إلى شرعية داخلية تستند إلى معاناة السودانيين أنفسهم، وإلى القوى التي ظلت موجودة داخل البلاد خلال سنوات الحرب.

كما أن الإصرار على أن يتم الحوار داخل السودان يعكس توجهاً سياسياً متنامياً داخل دوائر الحكم يرى أن المبادرات الإقليمية والدولية، رغم تعددها، لم تنجح في إنتاج تسوية مستدامة. بل إن قطاعات واسعة من الرأي العام باتت تنظر إلى بعض تلك المبادرات باعتبارها امتداداً لصراعات النفوذ الإقليمي أكثر من كونها استجابة حقيقية لتعقيدات الواقع.

ومن هنا جاءت الرسائل الرافضة لما وصفه البرهان بحوارات العواصم والإملاءات الخارجية، في محاولة لترسيخ مبدأ سياسي اصيل، قوامه استقلالية القرار الوطني وإعادة توطين العملية السياسية داخل البلاد.

غير أن أهمية الخطاب، ترتبط أيضاً بتوقيته السياسي والعسكري. فالحديث عن الحوار الشامل يأتي في مرحلة تشهد تحولات ميدانية مهمة لصالح القوات المسلحة في عدد من الجبهات، الأمر الذي يمنح المؤسسة العسكرية مساحة أوسع للانتقال من خطاب إدارة الحرب إلى خطاب إدارة المستقبل.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدعوة للحوار باعتبارها سعيًا لترسيخ مسار سياسي موازٍ للمسار العسكري، يهدف إلى صياغة ملامح الدولة بعد الحرب، وإنتاج إطار وطني جديد يحول الانتصارات الميدانية إلى شرعية قابلة للاستمرار. فالحروب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، وإنما في قدرة المنتصرين على بناء توافق سياسي يجمع الشمل ويمنع تجدد الحرب .

لكن التحدي الأكثر تعقيداً يظل مرتبطاً بمفهوم “أصحاب الوجعة” نفسه. فالمصطلح، رغم قوته ودلالاته الشعبية، يظل مفتوحاً على تفسيرات متعددة. هل يشير إلى المتضررين من الحرب من نازحين ولاجئين وأسر ضحايا؟ أم يشمل القوى السياسية التي بقيت داخل البلاد؟ أم المجتمعات المحلية التي تحملت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية ؟ أم أنه يمثل إطاراً سياسياً لاستبعاد أطراف بعينها من المشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل أساس أي عملية سياسية. فنجاح الحوار لا يُقاس بمجرد جمع الأطراف حول الطاولة، بل بقدرته على إنتاج معايير واضحة وعادلة للتمثيل السياسي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم التسوية السياسية إلى مفهوم العقد الاجتماعي. فالسودان ظل يواجه أزمة دولة متعددة المستويات، من بنية الحكم إلى العلاقة بين المركز والأقاليم، مروراً بقضايا العدالة والمواطنة وتوزيع الموارد. وهي ملفات لا يمكن اختزالها في تفاهمات نخب، بل تتطلب مساراً سياسياً واسعاً يقوم على توافق وطني حقيقي، يجمع كل السودانيين تحت سقف الدولة.

يمكننا القول ، بحسب#وجه_الحقيقة إن خطاب البرهان يعكس بداية انتقال تدريجي من خطاب الحرب إلى خطاب التأسيس السياسي، وهو تحول ذو دلالة مهمة في مسار الحرب . غير أن نجاح هذا التحول سيعتمد على مدى قدرة الدولة والقوى الوطنية على تحويل شعار “أصحاب الوجعة” إلى مشروع وطني جامع، يربط بين التضحيات وضرورات بناء المستقبل. فالدول التي تخرج من الحروب لا تستقر بالانتصار وحده، وإنما بالقدرة على تحويل التضحيات والدماء إلى رؤية مشتركة للدولة والسلام والتنمية.

دمتم بخير وعافية.
الأثنين 1يونيو 2026 م
#أصحاب_الوجعة
#الحوار_الوطني
#عبد_الفتاح_البرهان
#السودان_بعد_الحرب
#الشرعية_والتمثيل
#بناء_السلام
#القوى_الوطنية
#الدولة_السودانية
#مستقبل_الانتقال
#إبراهيم_شقلاوي

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *