المندرة نيوز

وجه الحقيقة_ إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان.. والتحالف البحري الدفاعي

الخرطوم=^المندرة نيوز^
شارك السودان، الخميس، ممثلًا برئيس هيئة الأركان الفريق أول ياسر العطا، إلى جانب 14 دولة، في اجتماع تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة العربية السعودية، في خطوة تؤكد انتقال الأمن الإقليمي في البحر الأحمر إلى مرحلة الشراكات الإقليمية.

لطالما ارتبطت التحالفات التاريخية ، بلحظات التحول الكبرى في موازين القوة، إذ لم تكن الترتيبات الأمنية المفصلية مجرد استجابة للتحديات، بل مدخلًا لتدشين مراحل جديدة في إدارة النفوذ. وفي هذا السياق، يمثل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، لحماية البحر الأحمر وباب المندب مؤشرًا على انتقال المنطقة إلى معادلة أمنية جديدة، تسعى فيها الدول إلى الإمساك بزمام أمنها بعد عقود من الارتهان للمظلات الدولية.

لكن الحدث الأهم يكمن في أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر بحري تتنافس عليه القوى الكبرى، وإنما أصبح مركزًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي الجديد. فالتنافس الأمريكي الصيني، والحضور الروسي المتنامي، والتغيرات التي فرضتها الحرب الأمريكية الإيرانية، والاضطرابات في باب المندب، جميعها دفعت دول المنطقة إلى إدراك حقيقة مهمة، أن أمن البحر الأحمر لم يعد يُدار من البحر وحده، بل من اليابسة أيضًا. ومن هنا فإن استقرار الدول المطلة عليه أصبح جزءًا من أمنه، لا نتيجةً له.

في هذا السياق تتغير مكانة السودان جذريًا. فمنذ اندلاع الحرب، اعتادت كثير من القراءات النظر إليه باعتباره بؤرة أزمة تستدعي التدخلات والوساطات. أما اليوم فإن المعادلة بدأت تنقلب. فالسودان أصبح أحد مفاتيح نجاح مشروعه الأمني الجديد. وهذه ليست قراءة متفائلة، وإنما واقع تفرضه الجغرافيا ، فالدولة التي تمتلك امتداد الساحلي 820 كيلومتر، وتقع في نقطة إلتقاء القرن الإفريقي بالمشرق العربي، لا يمكن تجاوزها عند إعادة هندسة أمن البحر الأحمر، حتى وإن كانت منشغلة بترتيب بيتها الداخلي .

وهنا تكمن المفارقة السياسية التي تستحق التوقف، فالحرب التي تخوضها الدولة السودانية جعلت استقرارها أكثر أهمية للإقليم من أي وقت مضى. ذلك أن أي منظومة أمنية تُبنى لحماية البحر الأحمر ستظل تعاني اختلالًا بنيويًا إذا بقي أكبر شاطئ على ضفته الغربية رهينة الصراعات. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودان على شركائه لا يتمثل في حجم المكاسب التي سيجنيها من المشاركة في التحالف، بل في الكيفية التي سيجعل بها استعادة الأمن داخل البلاد جزءًا من نجاح هذا التحالف نفسه.

وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الدبلوماسية السودانية لدورها في هذا التحالف. فالجغرافيا لا تصنع النفوذ بذاتها، وإنما حين تُحسن الدولة توظيفها سياسيًا. واليوم يمتلك السودان ورقة استراتيجية فريدة، تتمثل في قدرته على ربط أمن البحر الأحمر باستقرار الداخل السوداني. فإذا كان أمن الملاحة يمثل أولوية للدول المشاركة، فإن استدامته تظل رهينة بإنهاء الحرب ومعالجة مصادر عدم الاستقرار على الساحل الغربي للبحر الأحمر. لذلك لا تُقاس قيمة مشاركة السودان بحجم حضوره العسكري، بل بقدرته على الانتقال من دولة تطلب الدعم إلى دولة تُسهم في إنتاج الأمن الإقليمي، فتشارك في صياغة أولوياته، لا الاكتفاء بتنفيذ ترتيباته.

وعليه ينبغي أن تنقل الخرطوم حوارها مع شركائها من منطق التضامن إلى منطق المصالح الاستراتيجية. فإذا كانت الرياض تقود مشروعًا لإعادة هندسة الأمن في البحر الأحمر، فإن نجاحه يظل مرهونًا بالسلام في السودان ، باعتباره أكبر بؤر الاضطراب على ساحله الغربي. ومن ثم، فإن مسؤولية الدول المشاركة لا تقتصر على حماية الملاحة، بل تمتد إلى توظيف نفوذها السياسي والدبلوماسي لإنهاء الحرب وتجفيف اجندتها ، إذ لا يمكن تأمين البحر ما دامت أسباب عدم الاستقرار تتجدد على اليابسة.

ومن هذا المنطلق تبرز مسؤولية الدول ذات التأثير في ملف السودان، وفي مقدمتها الإمارات، في مواءمة نفوذها مع أهداف التحالف. فإذا كان المشروع الأمني الجديد يقوم على حماية الاستقرار الإقليمي، فإن ذلك يقتضي توظيف هذا النفوذ لدعم سيادة السودان ، ومنع تدفق السلاح لمليشيا الدعم السريع، لأن أمن البحر الأحمر لا يستقيم ما لم يستقر ساحله الغربي.

إن القراءة خلف سطور هذا التحالف، بحسب #وجه_الحقيقة، تشير إلى أن السعودية ، تسعى إلى ترسيخ شرعية قيادة إقليمية في البحر الأحمر. غير أن شرعية القيادة لا تُقاس بقدرتها على حماية الممرات البحرية وحدها، وإنما بقدرتها على معالجة مصادر عدم الاستقرار التي تهددها. ومن هذا المنطلق فإن نجاح هذا المشروع يضع على عاتق الرياض مسؤولية سياسية مضاعفة لتوظيف ثقلها السياسي و الدبلوماسي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية الفاعلة، لدعم سيادة الدولة السودانية، ووقف تدفق السلاح، والتصدي لأي تدخلات إقليمية تُسهم في إطالة أمد الصراع، بما يقود إلى إخضاع المليشيا المتمردة لسلطة الدولة وإنهاء التمرد، باعتبار أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر، وليس ملفًا هامشيًا في معادلته.

دمتم بخير وعافية.

السبت 1 أغسطس 2026 م

#إبراهيم_شقلاوي #السودان #البحر_الأحمر #التحالف_البحري_الدفاعي #الأمن_الإقليمي #الأمن_البحري #السيادة_السودانية #باب_المندب #الدبلوماسية_السودانية #استقرار_السودان

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *