الخرطوم=^المندرة نيوز^
رحّبت بعثة السودان لدى الأمم المتحدة في نيويورك الخميس في بيان صحفي بقرار مجلس الأمن المتعلق بتمديد التدابير المفروضة بموجب القرار 1591 لمدة ستين يوماً، مع الإبقاء عليها في نطاقها الجغرافي ومضمونها القائمين. وأكد البيان أن الأولوية ينبغي أن تكون لتفعيل نظام العقوبات القائم وضمان احترامه وتنفيذه ومساءلة من ينتهكونه، بدلاً من توسيعه، معلناً استعداد السودان للانخراط بصورة بنّاءة في أي نقاش موضوعي لتعزيز فعاليته، بعيداً عن التسييس والانتقائية والمساواة بين الدولة ومؤسساتها الشرعية والمليشيات والجماعات المسلحة المرتزقة.
اللافت أن القرار جاء وسط خلاف دولي حول توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. وانتهى المجلس إلى تمديد نظام العقوبات حتى 11 ديسمبر، وولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027، دون حسم الخلاف بشأن التوسيع. لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل القرار هو، هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحرب، أم إدارة توازناتها وتأجيل انفجارها إلى موعد آخر؟
هنا تبرز أهمية الرؤية السودانية التي تعلن الاستعداد للتعاون الدولي، مع التمسك بإنهاء الحرب وفق شروط تعالج أصل الأزمة. فالتعاون ليس تنازلاً عن حق الدولة في تحديد مستقبلها، كما أن السيادة لا تعني الانغلاق أمام الجهود الدولية. المطلوب هو نقل العلاقة مع المجتمع الدولي من موقع الدفاع عن المواقف إلى طرح مشروع واضح للسلام، يحدد الالتزامات والضمانات، ويجعل إنهاء الحرب غايةً لا مجرد عنوان.
تتمثل المسألة الجوهرية بالنسبة للخرطوم في التمييز بين هدنة توقف القتال مؤقتًا ووقف شامل ينهي الحرب. فالهدنة قد تجمّد القتال دون أن تنهي الصراع، بل قد تتيح للمليشيا إعادة ترتيب قوتها، كما حدث في هدن سابقة.
وفي بلد أنهكته الحرب، ودمّرت مدنه وشُرّد سكانه، فإن وقف القتال دون إنهاء السيطرة المسلحة للمليشيا ومعالجة جذور الأزمة قد ينقل الصراع من الميدان إلى السياسة والمجتمع، الذي حسم موقفه الرافض لوجودها، و يكرس الانقسام بدلًا من أن يمهّد لاستعادة الدولة وإنهاء الحرب.
الوقف الشامل للحرب لا يتحقق بمجرد إعلان وقف إطلاق النار، بل بانسحاب قوات المليشيا من المدن، وتجميعها في معسكرات محددة، تمهيداً لنزع سلاحها وتسريح أفرادها، وإتاحة الانضمام إلى القوات النظامية لمن يستوفون الشروط، وعودة الآخرين إلى الحياة المدنية. فالقضية هنا ليست إدماج المليشيا في تسوية سياسية، بل إنهاء وجودها العسكري، فهي فصيل عسكري متمرد، وليست قوة سياسية حتى تكون طرفاً في اقتسام السلطة.
ويستند هذا المسار إلى إعلان جدة الذي أقر تنفيذ الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين وإخلاء المرافق المدنية وتجميع القوات توطئة للتسريح وإعادة الدمج، لأن المطلوب يتعلق بإنهاء وجود قوة مسلحة موازية للدولة، بحيث لا تتحول التسوية إلى عودة المليشيا، ولا تصبح المفاوضات وسيلة لإعادة إنتاج الوضع الذي قاد إلى الحرب. فالدولة لا تستعيد عافيتها بتوقف القتال، بل باستعادة وحدتها المؤسسية واحتكارها المشروع للسلاح.
وهنا يكمن الاختبار السياسي الحقيقي، هل تُبنى التسوية على معالجة أسباب الحرب، أم على الضغوط الإقليمية والدولية ؟ إن التسوية التي تتجاهل مصير السلاح خارج مؤسسات الدولة قد تمنح هدوءاً مؤقتاً، لكنها تترك احتمال العودة إلى القتال قائماً. وفي المقابل، فإن الترتيبات الأمنية وحدها، من دون حماية المدنيين وتيسير عودة النازحين واللاجئين ومعالجة المظالم وفتح الطريق أمام تسوية سياسية أوسع، لن تصنع سلاماً مستداماً.
المطلوب مساران متلازمان: إنهاء التمرد المسلح، ومعالجة الجذور السياسية والاجتماعية للأزمة ضمن دولة واحدة ومؤسسات موحدة.
أما الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، فينبغي أن تُعالج عبر التحقيق المستقل والمؤسسات المختصة، مع إتاحة الفرصة للسودان للتعاون وتقديم موقفه. غير أن هذه القضية، لا ينبغي أن تحجب السؤال المركزي المتعلق بمستقبل الحرب وشروط إنهائها. فالمواقف الدولية يجب أن تُقاس بمدى إسهامها في حماية المدنيين ومنع تدفق السلاح للمليشيا، ودعم تسوية تعيد للدولة قدرتها على حفظ الأمن.
إن تمديد العقوبات لا يمثل حلاً للأزمة، كما أن توسيع حظر السلاح لا يضمن إنهاءها بالنظر إلى أنه يساوي بين الجيش الوطني والقوات المتمردة عليه. لذلك المطلوب أن يتحول استعداد الخرطوم للتعاون إلى مبادرة سياسية ودبلوماسية واضحة، تضع المجتمع الدولي أمام التزاماته، وتدفع نحو وقف شامل مرتبط بانسحاب القوات المتمردة من المدن، وتجميعها في معسكرات، بضمانات وآليات تحقق معلومة تحددها الحكومة السودانية.
لذلك السودان اليوم، بحسب #وجه_الحقيقة أمام شروط سلام صعب، لأن التحدي ليس إيقاف الحرب أو حسمها، بل منع إعادة إنتاجها في صورة أخرى. فالهدنة قد توقف الرصاص، لكنها لا تنهي الصراع بالضرورة، لذلك السلام يبدأ حين تتغير الوقائع التي جعلت الحرب ممكنة، وتستعيد الدولة وحدتها وسلطتها على الأرض، ويجد المواطن طريقاً آمناً إلى حياته. ذلك هو الفارق بين سلام يؤجل الأزمة، وسلام يفتح الطريق إلى إنهائها.
دمتم بخير وعافية
السبت 10 اكتوبر 2026م. .
#السودان #السلام_في_السودان #شروط_السلام #وقف_الحرب #السيادة_الوطنية #مجلس_الأمن #العقوبات_الدولية #إعلان_جدة #حماية_المدنيين #الأمن_والاستقرار #إبراهيم_شقلاوي





