المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب.. حين تتخفّى الطموحات خلف لافتات السياسة: من يحكم… ومن يزايد؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في أزمنة الأزمات الكبرى، تُختبر الدول لا بقدرتها على رفع الشعارات، بل بقدرتها على ضبط الإيقاع الداخلي ومنع تعدد مراكز القرار. ما نشهده اليوم في السودان ليس مجرد تباين سياسي طبيعي، بل محاولة مستمرة من بعض القوى—عبر أذرعها السياسية—لتجاوز حدودها، والتمدد خارج وزنها الحقيقي، وكأنها دولة داخل الدولة.

المشكلة ليست في الطموح السياسي بحد ذاته، فهذا حق مشروع. المشكلة حين يتحول هذا الطموح إلى سلوك انتهازي يتخفّى خلف خطاب ناعم، بينما مضمونه الصلب هو انتزاع أدوار ليست من اختصاصه. هذه الكيانات تحاول تقديم نفسها كفاعل سيادي، لا كشريك ضمن منظومة الدولة، فتخاطب الخارج، وتناور داخلياً، وتتصرف وكأن لها تفويضاً موازياً لتفويض الدولة نفسها.

خذ المثال الأوضح: المشاركة في محافل دولية حساسة تتعلق بمصير السودان، بصفة “مراقب” أو بأي مسمى تجميلي، رغم غياب التنسيق مع الدولة أو حتى في ظل رفضها الصريح. هذه ليست مجرد خطوة رمزية؛ إنها رسالة سياسية خطيرة مفادها أن هناك من يرى نفسه نداً لمؤسسات الدولة، أو بديلاً عنها عند اللزوم. والأسوأ من ذلك، أن هذا السلوك يُغلّف بخطاب دبلوماسي منمق، بينما حقيقته مكشوفة حتى لعامة الناس: تجاوز صريح للسيادة، ومحاولة لخلق واقع سياسي موازٍ.

داخلياً، لا يقل المشهد خطورة. قرارات اقتصادية حساسة تمس حياة المواطن مباشرة تُتخذ بعقلية ضيقة، دون قراءة متأنية للانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية. رفع الأعباء على الناس دون تقدير للنتائج ليس إصلاحاً، بل مقامرة. وحين تصدر مثل هذه القرارات من جهات تتكئ على ثقل سياسي مستمد من واقع عسكري سابق، فإنها تكشف الخلل البنيوي: من يملك النفوذ يقرر، ومن يدفع الثمن هو المواطن.

المفارقة أن كل هذا يحدث في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. المنطقة تعاد صياغتها سياسياً واقتصادياً، والدول التي نجحت هي تلك التي شددت مركزية القرار، لا تلك التي سمحت بتفككه. كان من المنطقي أن تدفع هذه الظروف الجميع إلى التراجع خطوة إلى الخلف، وترك زمام القيادة لمؤسسات الدولة لتدير المعركة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: سباق محموم على الأدوار، وكأن الدولة غنيمة، لا كيان يجب حمايته.

الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك لا يضعف الدولة فقط، بل يقدّم خدمة مجانية للخارج. حين يرى الفاعل الدولي أن الداخل منقسم على نفسه، وأن هناك من يقبل بلعب أدوار خارج الإطار الرسمي، يصبح من السهل فرض أجندات، وتمرير “حلول” لا تعكس مصلحة البلاد، بل مصلحة من يملك أدوات الضغط. وهنا يتحول “العمل الإنساني” إلى بوابة سياسية، وتتحول المؤتمرات إلى منصات لإعادة تشكيل الواقع الداخلي دون تفويض وطني.

وفي خضم هذا المشهد، تتعالى الأصوات من الشارع قبل النخب: يا ريس خذ الكتاب بقوة. ليست مجرد عبارة عاطفية، بل تعبير مكثف عن إدراك شعبي بأن المرحلة لا تحتمل التردد، وأن هيبة الدولة لا تُستعاد بالموازنات الرمادية، بل بقرارات حاسمة تعيد رسم حدود الفعل السياسي وتضع كل فاعل في حجمه الطبيعي.

لا يمكن بناء دولة حديثة بوجود مراكز قرار متعددة. ولا يمكن الحديث عن سيادة في ظل سلوكيات تفرّغ هذه السيادة من مضمونها. المسألة ليست صراع نفوذ بين أطراف، بل صراع على تعريف الدولة نفسها: هل هي مؤسسة واحدة بمرجعية واضحة، أم ساحة مفتوحة لكل من يملك القدرة على فرض نفسه؟

الخلاصة واضحة وبسيطة: من يريد أن يكون جزءاً من الدولة، عليه أن يلتزم بقواعدها. ومن يصر على العمل خارجها، فهو عملياً يسهم—بقصد أو بغير قصد—في إضعافها. وفي زمن كهذا، إضعاف الدولة ليس خطأً سياسياً… بل خطيئة استراتيجية.

*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولاً وأخيراً…*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا….*
*14/04/2026*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *