المندرة نيوز

وجه الحقيقية_ ابراهيم شقلاوي يكتب: غياب الورشة والأسطوات …!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
بالأمس أعلن د. التهامي الزين حجر، وزير التربية والتعليم، تسمية العام 2026 عامًا للتعليم الفني في السودان، مقرونًا بتعزيز الشراكة مع اليونسكو لتنفيذ الخطة الانتقالية (2025–2027) وتطوير المناهج والوسائل التعليمية، بدأ المشهد اعترافًا متأخرًا بحقيقة ظلت مؤجلة طويلًا.

حديث الوزير عن دعم تقني ولوجستي، وتوسيع التعليم الإلكتروني، وبناء قدرات الكوادر، مع تأكيد أن التعليم الفني سيكون ركيزة لإعادة الإعمار… يعتبر مؤشرًا على أن الدولة بدأت تخطط بصورة سليمة . لكن السؤال الذي لا يحتمل المجاملة: هل نقترب من الحل… أم نعيد تسمية المشكلة؟

خلال تجربتي في العام 2010 داخل وزارة تنمية الموارد البشرية، التي كان يقودها آنذاك الوزير كمال عبد اللطيف كنت جزءًا من لجنة عملت على هذا الملف، وشاهدًا على محاولة جادة للانتقال بالتعليم التقني والتقاني من الاهمال إلى الاهتمام. لم يكن الأمر تنظيرًا، بل جهدًا حكوميا انفتح على تجارب دولية مثل ماليزيا والهند والصين، وسعى إلى صياغة مسار تعليمي متكامل يبدأ من المراحل الأساسية وينتهي بالجامعة. في تلك الفترة، بدأ ممكنًا أن يتشكل نموذج سوداني يزاوج بين المعرفة والتطبيق.

لكن ما حدث لاحقًا يكشف جوهر المعضلة: الأفكار ونقل التجربة وُجدت… والاستمرارية غابت وهذه إحدى جوانب ضعف تلك المرحلة.

كذلك هذه المحاولة، رغم عمقها، اصطدمت بمعضلة سودانية مزمنة: غياب النموذج الوطني المتماسك. فقد ظل التعليم التقني يتأرجح بين تأثيرات الشرق والغرب، دون أن تنجح الدولة في إنتاج صيغة سودانية خالصة تستوعب هذه التجارب وتعيد تكييفها وفق احتياجاتنا الوطنية.

وهنا ظلت تتجلى الأزمة في بعدها الأكبر. فالسودان لا يعاني من فقر في الرؤى، بل من هشاشة في تحويلها إلى سياسات مستدامة. لذلك ظل التعليم التقني والتقاني يتنقل بين تأثيرات خارجية متعددة، دون أن يستقر على صيغة وطنية تعكس حاجاته الفعلية. وحتى القرارات التي بدت نوعية، مثل استبدال الدبلوم بالبكالوريوس التقني، لم تُحدث الأثر المطلوب، لأن البيئة الاجتماعية ظلت أسيرة نظرة تقلل من قيمة العمل اليدوي.

اليوم بعد الحرب، لم يعد هذا الخلل قابلًا للتأجيل. مدن تحتاج إلى إعادة بناء، وسوق يعج بالباحثين عن عمل، لكن حين تبحث عن “الماهر” تجده نادرًا. هذه ليست مفارقة عادية، بل نتيجة مسار طويل من سوء ترتيب قيمة التعليم. لقد أنتجنا تعليمًا يراكم الشهادات… ولا يصنع المهارات. رفعنا من شأن “الموظف”… وتركنا “الصانع” في الظل دون اهتمام.

في هذا السياق، يصبح غياب “الورشة” غياب لفضاء إنتاج قيمة العمل. والتي تغيب معها شخصية “الأسطى” كعامل ماهر و كركيزة في دورة الاقتصاد التنموي، وكحلقة وصل بين الفكرة والتنفيذ. فبدون هذه الحلقة، تتحول الخطط إلى نصوص بلا قيمة، والطموحات إلى وعود مؤجلة.

اليوم بدأت تتشكل ملامح تحول أعمق في الرؤية، إذ تمضي حكومة د. كامل إدريس ، إلى زيادة عدد المدارس الصناعية وتعظيم التعليم التقني وإعادة تعريف موقع العامل الفني داخل الدولة: من منفّذ إلى منتجٍ للمعرفة، ومن يد عاملة إلى عقلٍ مشارك في الفعل الاقتصادي. ويبرز في هذا السياق تمكين السجل المهني كأداة نفاذ، وتوظيف مخلفات الحرب في دورة الإنتاج، وبناء ورش تعتمد الطاقة البديلة. إنها مقاربات تتجاوز الحلول الإجرائية، لتعيد صياغة مفهوم القوة داخل الدولة على أسس إنتاجية جديدة.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان السياسي، بل في القدرة على تحويله إلى عقد اجتماعي جديد يعيد ترتيب الأولويات والقيم . فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب المؤسسات، بل في نظرة المجتمع إليها. لقد ترسخ ـ عبر عقود ـ تمييز غير عادل ضد التعليم الفني، حتى أصبح التفوق يقاس بالابتعاد عن الورشة، لا الاقتراب منها. وهذه مفارقة خطيرة في بلد يحتاج، بعد الحرب، إلى كل مهارة عملية أكثر من حاجته إلى الشهادات النظرية.

يبقى السؤال ، بحسب #وجه_الحقيقة : كيف نمنع خطة الوزارة من أن تبقى حبيسة الأدراج ؟ الجواب في تحويل الفكرة إلى فعل يومي يتجسد في المدرسة والورشة والإعلام وسياسات التمويل. فالأفكار الكبرى لا تسقط لضعفها، بل لأنها تفشل في أن تتحول إلى واقع معاش. وفي السودان اليوم، لا تكمن المعضلة في نقص الخطط أو غياب الأفكار، بل في تلك المسافة بين ما يُكتب وما يُنجز، حيث تتراكم الخطط بينما يظل الواقع في انتظار الفعل. في هذا الفراغ ، يظل السؤال : أين الورشة… وأين الأسطوات؟
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 28 أبريل2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *