الخرطوم=^المندرة نيوز^
لشهور طويلة، اعتاد السودانيون على تلقي بيانات دولية باهتة، محشوة بعبارات مكررة تدعو لـ”ضبط النفس” وتناشد “طرفي النزاع”، وكأن الموت اليومي الذي يحصد الأرواح ويمزق المدن مجرد سوء تفاهم محلي يمكن حله بالعناق. كان القارئ العادي يمر على هذه الأخبار بمرارة، مدركاً أن الحقيقة غائبة أو مُغيّبة عمداً. لكن المشهد تبدل فجأة؛ سقطت ورقة التوت، وخرجت الكلمات هذه المرة من أعلى هرم المنظومة الدولية لتعيد تعريف المأساة وتضع الإصبع على الجرح النازف بشجاعة نادرة.
في أديس أبابا، وبلغة خلت من الدبلوماسية الرمادية المعتادة، فكّك الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اللغز الذي طالما تظاهر العالم بعدم فهمه. لم يتحدث عن “صراع داخلي”، بل أعلنها صراحة: السلاح والتمويل اللذان يغذيان المحرقة في السودان يأتيان من خارج القارة الأفريقية. هذا التحول العميق في التوصيف الأممي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو اعتراف رسمي بأن ما يجري هو حرب بالوكالة، تُدار بأموال خارجية وتسليح مستمر يعرقل أي أفق للسلام، ويهدد بإشعال حريق إقليمي أوسع يمتد من القرن الأفريقي إلى منطقة الساحل.
على أرض الواقع، يلامس هذا التصريح صميم المعاناة اليومية للسودانيين. فالمواطن الذي فقد منزله في الخرطوم، أو النازح الذي يفر من الموت في دارفور والجزيرة، يعرف تماماً أن الرصاصة التي تلاحقه لم تُصنع محلياً، وأن الطائرات المسيّرة التي تحيل الأسواق إلى رماد لا تُشترى بالعملة المحلية. استمرار تدفق هذا العتاد المتطور والمرتزقة العابرين للحدود هو الذي حوّل المعركة من أزمة سياسية يمكن تداركها، إلى كارثة إنسانية مستدامة.
التجارب الدولية القريبة، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، تخبرنا بوضوح أن الحروب التي تُغذى من شرايين خارجية لا تنتهي أبداً على طاولات الحوار الداخلي، ما لم يتم قطع خطوط الإمداد التي تضخ الدم في عروق الميليشيات.
هنا تحديداً، كشف هذا الموقف الأممي عورة الاتحاد الأفريقي، كما أشار الخبراء والدبلوماسيون، ومنهم السفير نادر فتح العليم. فالمنظمة القارية ظلت لعام ونصف تدور حول الأزمة بمقاربات تقليدية، عاجزة أو رافضة لتسمية الأشياء بمسمياتها، متجاهلةً خطر الميليشيات العابرة للحدود التي تنتهك سيادة دولها.
لقد جاء تصريح غوتيريش ليقرع جرس إنذار تأخر طويلاً؛ مفاده أن تجاهل الأيادي الخارجية التي تعبث في السودان لم يعد خياراً متاحاً، وأن الرواية الرسمية التي طالما تمسكت بها الخرطوم لم تكن ادعاءً، بل حقيقة دامغة تتسق مع نصوص القانون الدولي الإنساني وتفرض واقعاً جديداً على طاولة المجتمع الدولي.
ترحيب الحكومة السودانية بهذا التحول يعكس إدراكاً لأهمية هذه اللحظة المفصلية، لكن الوعي بالمرض لا يكفي وحده لتحقيق الشفاء. لقد ارتفع سقف التوقعات، وباتت الكرة الآن في ملعب الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
التحذيرات الشفهية لم تعد تكفي أمام دماء تُسفك كل ساعة، والمطلوب الآن هو الانتقال الفوري من خانة التشخيص إلى غرف العمليات الجراحية؛ عبر تفعيل الآليات الأمنية والقانونية، وفرض عقوبات صارمة، وتجفيف منابع التمويل الخارجي، ومراقبة مسارات السلاح التي حولت السودان إلى ساحة رماية مفتوحة لمصالح دول أخرى.
بعد اخير:
خلاصة القول، الآن، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وتاريخي حاسم. فاستمرار التغاضي عن الممولين الحقيقيين لهذه المحرقة يعني ببساطة المشاركة في كتابة شهادة وفاة أمة بأكملها.
وأخيرًا، الاعتراف بالقاتل الخفي هو خطوة أولى نحو الحقيقة؛ لكن البنادق المأجورة لا تصمت بالمناشدات، بل بكسر الصناديق التي تمولها.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 16 مايو 2026م







