الخرطوم=^المندرة نيوز^
في زمن أصبحت فيه “السيادة الرقمية” ليست مجرد مصطلح فخم في المؤتمرات، بل جبهة حقيقية من جبهات الأمن القومي، يبدو التفكير في تنظيم فوضى الخطاب الإعلامي وضبط منصات الإعلام الرقمي خطوة في الاتجاه الصحيح. لا أحد يجادل في أن السودان، وهو يخوض معركة وجودية تتقاطع فيها البنادق بالمنشورات، يحتاج إلى كبح جماح الانفلات المعلوماتي وحماية فضائه الإلكتروني من التخريب الممنهج. لكن، وكما يُقال دائمًا في كواليس السياسة والإدارة، الشيطان يكمن في التفاصيل؛ والخطوة النبيلة قد تتحول إلى كارثة إذا نُفذت بأدوات مشروخة وعقليات لم تغادر بعد مربع البيروقراطية القديمة.
القصة بدأت حين قررت وزارة الإعلام إطلاق حملة لتقنين وضع المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية، وهو قرار تجد له ألف مبرر ومبرر في ظل حرب الشائعات الحالية. غير أن المفارقة الصادمة تمثلت في تلك “الاستمارة الورقية” التي طُرحت للمواقع، والتي فرضت على أصحاب المنصات الحضور شخصيًا لمقر الوزارة المؤقت لاستلامها وملئها. في بلد يتحدث عن التحول الرقمي والأمن السيبراني، تطلب الوزارة إثباتات تقنية متطورة عبر “الورق والقلم”، متجاهلة تمامًا وجود بنية تحتية للاتصالات وجهات مختصة كان يمكن أن تحول هذه العملية إلى إجراء رقمي آمن وسلس، لا سيما وأن الكثير من صناع المحتوى والصحفيين الوطنيين يعملون اليوم من ولايات مختلفة أو من منافي اغترابهم القسري إسنادًا للدولة.
حين تتأمل تفاصيل الاستمارة المثيرة للجدل، تكتشف فجوة معرفية وتقنية مخيفة تثير التساؤلات، وربما المخاوف. الوزارة لم تكتفِ بطلب هوية رئيس التحرير أو خط التحرير، بل توغلت في تفاصيل فنية شديدة السرية والخطورة؛ طالبت بالبريد الإلكتروني الذي أُسس به الموقع، والمربوط بالدومين، وبمستندات ملكية النطاق التي تشمل أرقام بطاقات الدفع الإلكتروني (الفيزا أو الماستركارد)، وصولاً إلى تحديد أنواع وسائل الحماية الإلكترونية المستخدمة. هذه المطالب، بلغة أمن المعلومات، لا تعني سوى شيء واحد: أنت تطلب من صاحب البيت أن يسلمك مفاتيح الخزنة، ويشرح لك بالتفصيل أين تقع كاميرات المراقبة، ونوع الأقفال التي يحتمي بها من اللصوص والمتربصين.
الخطورة هنا تتجاوز سوء الفهم الفني إلى مهددات أمنية حقيقية، خصوصًا إذا ربطنا المشهد بتحذيرات عسكرية وسيادية سابقة، مثل تصريحات عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن ياسر العطا حول اختراق عناصر تابعة للمليشيا المتمردة لبعض مؤسسات الدولة. فما هي الضمانات التي تملكها وزارة الإعلام لحماية هذه البيانات الحساسة؟ أين ستُحفظ هذه الأوراق، ومن يضمن ألا تتسرب هذه المفاتيح الرقمية إلى أيدي “طابور خامس” أو جهات معادية تتربص بالمنصات الوطنية التي شكلت خط الدفاع الأول في معركة الكرامة والوعي؟ إن كشف البريد الإلكتروني الأساسي ووسائل الحماية هو بمثابة تقديم ثغرات مجانية للتصيد الإلكتروني، واختراق الهوية الرقمية، أو حتى ابتزاز الصحفيين والتضييق على حرياتهم.
هذا التداخل المربك يعيدنا إلى أصل القضية؛ وهو غياب المؤسسية وتهميش الجهات المختصة قانونًا. بموجب القوانين السائدة، فإن تنظيم الصحافة الإلكترونية وحصرها هو من صميم اختصاص المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، بالتنسيق الفني مع وزارة الاتصالات والتحول الرقمي. فلماذا تُركز هذه الصلاحيات اليوم في يد الوزير أو جهات داخل الوزارة لا تملك الخبرة البرمجية الكافية؟ الإصرار على إدارة ملف سيبراني معقد بعقلية ورقية، وبطلب معلومات تخرق أبجديات الخصوصية والأمان، لا يخدم سيادة الدولة، بل يضعف جبهتها الإعلامية الداخلية، ويحول أداة التنظيم المفترضة إلى سيف مسلط على رقاب المنصات المساندة للوطن.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن ضبط الفضاء الرقمي وحماية الأمن القومي هما ضرورة لا تقبل التأجيل، لكنهما يتطلبان احترافية مؤسسية تشارك فيها وزارة العدل والاتصالات ومجلس الصحافة، لبناء منظومة تحقق رقمي برمجية معتمدة دوليًا، لا استمارات ورقية تجمع أرقام بطاقات الائتمان والإيميلات السرية.
وأخيرًا، الدولة التي تسعى لفرض هيبتها ونظامها في الفضاء الإلكتروني، يجب أن تكون هي النموذج في حماية أمن مواطنيها ومؤسساتها الإعلامية أولاً. وإلا، فإن المحاولة لن تكون أكثر من فخ غير مقصود يُشرع الأبواب الخلفية للاختراق، ليصبح من حيث أراد حماية الوطن، أول من يهدد حصونه الرقمية.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 5 يونيو 2026م






