المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: اغتيال “صحة البيئة”.. تفخيخ صامت للأمن الصحي ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل تذكرون المرة الأخيرة التي اختلطت فيها الأوراق في مؤسساتنا حتى ضاعت المسؤولية بين المكاتب؟ هذا تحديداً ما يحدث عندما تذوب التخصصات الدقيقة داخل عباءة المسميات الفضفاضة، وهو تماماً ما تحذر منه ورقة علمية رصينة تحت النشر للباحث الصحى والبيئى د. مصعب بريــر، ناقشت قضية تبدو أكاديمية في ظاهرها، لكنها تمس عمق سلامتنا اليومية، وهي ضرورة الحفاظ على مسمى “صحة البيئة” ككيان مستقل ومنفصل داخل منظومة الصحة العامة، عوضاً عن جرفه في تيار دمج المسميات الذي يطمس الهوية المهنية والعلمية لهذا التخصص الحيوي.

إن الإشكالية اليوم لا تكمن في ترف لغوي أو تمسك بعناوين براقة، بل في تمدد غير منضبط لمسمى “الصحة العامة” ليبلع تخصصات نوعية شديدة الحساسية. فبينما تركز الصحة العامة على السياسات والتدخلات السكانية الشاملة، تقف “صحة البيئة” على خط المواجهة الأول مع المحددات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تؤثر مباشرة على حياة الإنسان وسلوكه، وفي عالم يغلي بالتغير المناخي، والتلوث، والتوسع الحضري العشوائي، يصبح طمس هذا التخصص مغامرة غير مأمونة العواقب.

تفكيك المشهد يكشف بوضوح أن غياب التحديد الدقيق للمسميات المهنية يقود رأساً إلى تداخل الاختصاصات وضياع المسؤولية، وهو واقع نلمسه تماماً في سياقنا السوداني والإقليمي، حيث يتداخل العمل الإداري والتنفيذي بين جهات عدة، مما يؤدي في النهاية إلى تدني جودة الخدمات الوقائية. عندما يصبح كل شخص مسؤولاً عن كل شيء، فإن النتيجة الحتمية هي ألا يقوم أحد بأي شيء، وهذا التمييع المهني يبدأ أساساً من قاعات الجامعات، حيث يؤدي التوسع في البرامج العامة على حساب المسارات الدقيقة إلى تخريج كوادر تمتلك ثقافة عامة لكنها تفتقر إلى المهارات التطبيقية والحلول العملية للازمات البيئية المتلاحقة.

المنظور العالمي يمنحنا دروساً بالغة الأهمية في هذا الصدد، فالدول التي فطنت مبكراً لخطورة هذا التداخل وضعت حدوداً صارمة؛ فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، تنظم المهنة عبر معهد معتمد يحدد بدقة مهام “ضباط صحة البيئة”، والولايات المتحدة تدعم استقلالية هذا العلم ببرامج متخصصة واعتمادات مهنية مستقلة، وهو ذات النهج الحاسم الذي تتبعه كندا وأستراليا عبر الفصل الوظيفي الواضح، فالشواهد الدولية تثبت بالدليل القاطع أن كفاءة الأداء المؤسسي وإدارة المخاطر البيئية ترتبط شرطياً بمدى استقلالية هذا التخصص ووضوح حدوده التشريعية والأكاديمية.

إن معالجة هذا الخلل تفرض تبني نموذج عملي مرن، مثل خيار “كلية الصحة العامة وصحة البيئة” التي تضمن وجود مسارات تخصصية واضحة المعالم، بالتوازي مع تثبيت المسمى في الهياكل الوظيفية الرسمية وصياغة تشريعات تنظم الممارسة المهنية وتدعم نظم الاعتماد المستمر، خاصة وأن التوجهات العالمية الحديثة، ومفاهيم مثل “الصحة الواحدة” و”صحة كوكب الأرض”، باتت ترتكز كلياً على الترابط الوثيق بين سلامة المحيط البيئي وحياة البشر، مما يجعل التخلي عن هذه الهوية المستقلة تراجعاً عن مواكبة العصر.

بعد اخير:

خلاصة القول، النتيجة الحتمية التي تضعنا أمامها الحقائق والواقع هي أن الهوية المهنية ليست مجرد لافتة تُعلق على أبواب المكاتب أو ترويسة تُطبع على الشهادات الجامعية، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن الصحي للمجتمعات.

وأخيرًا، إن التهاون في تمييع مسمى “صحة البيئة” بدعوى التبسيط أو الدمج التنظيمي، ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل هو تفخيخ صامت لشبكات الوقاية الصحية؛ لأن الأوبئة والكوارث البيئية لا تنتظر الكيانات الهلامية لتكافحها، بل تحتاج إلى عيون متخصصة تدرك تماماً أين تضع أقدامها.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 7 يونيو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *