المندرة نيوز

الجنيه ينهار.. والغلاء يطحن السودانيين

الخرطوم=^المندرة نيوز^
لم تعد موجة الغلاء في السودان مجرد ارتفاع عابر في أسعار السلع، بل تحولت إلى ضغط يومي يطال تفاصيل حياة الأسر، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني فقدان قيمته وتتعمق تداعيات الحرب على الإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد. ومع محدودية الدخول أو عدم انتظامها، تجد قطاعات واسعة من السودانيين نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة لتأمين الاحتياجات الأساسية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت الأسواق زيادات متسارعة في أسعار السلع، بالتزامن مع تراجع قيمة العملة المحلية، رغم منح بنك السودان المركزي المصارف مساحة أكبر في تحديد أسعار الصرف وشراء حصائل الصادر وفق حركة العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي.

وسرعان ما انعكس اضطراب سوق الصرف على أسعار السلع والخدمات، ولا سيما المنتجات المستوردة، في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على الواردات. كما ساهم ارتفاع أسعار الوقود والنقل واضطراب طرق التجارة في رفع تكلفة نقل البضائع إلى الأسواق والمستهلك النهائي.

وأظهر رصد لمعهد بحوث سياسات الغذاء الدولي خلال يوليو 2026 ارتفاع أسعار غالبية مجموعات السلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع توافر عدد من المنتجات في الأسواق.

وفي أم درمان، تقول أميرة محمد، وهي ربة منزل، إن ارتفاع الأسعار أجبر أسرتها على تقليص المشتريات والتركيز على الضروريات فقط. وأوضحت لـ«سودان تربيون» أن سعر كيلو السكر وصل إلى 7 آلاف جنيه، بينما بلغ رطل اللبن 3 آلاف جنيه، وسجل كيلو اللبن البودرة 45 ألف جنيه، في حين وصل سعر لتر الزيت إلى 17 ألف جنيه وكيلو الدقيق إلى نحو 5 آلاف جنيه.

وتقول أميرة إن هذه الزيادات أصبحت عبئًا يفوق قدرة أسرتها المؤلفة من سبعة أشخاص، مشيرة إلى أنها لم تعد قادرة على توفير تلك المواد بصورة يومية، وأضافت أن الأسرة باتت تواجه الجوع بصورة مستمرة وتعيش في ظل مخاوف متزايدة على حياتها.

ولا تختلف الصورة كثيرًا بالنسبة إلى محمد أحمد، وهو موظف من الخرطوم، إذ يقول إن راتبه الشهري البالغ 500 ألف جنيه لم يعد قادرًا على تغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته التي تضم أربعة أطفال إلى جانب زوجته.

أما سارة عبد الله، العاملة في القطاع الخاص، فتقول إن ارتفاع تكلفة التنقل والطعام يستحوذ على نسبة متزايدة من دخلها. وأوضحت لـ«سودان تربيون» أنها تنفق نحو 5 آلاف جنيه يوميًا على المواصلات، إلى جانب 6 آلاف جنيه لشراء وجبة الإفطار خلال ساعات العمل.

ويشير عاملون في الأسواق إلى أن الحرب أصبحت أحد أبرز المحركات التي ترفع تكلفة السلع، بفعل اضطراب طرق التجارة وارتفاع أسعار النقل والوقود وتراجع الإنتاج في المناطق المتضررة، إضافة إلى التقلبات المستمرة في سعر الصرف.

ويقول عبد الرحمن عثمان، تاجر مواد غذائية في سوق أم درمان، إن تكاليف شراء البضائع ونقلها ارتفعت بصورة كبيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار البيع. وأضاف لـ«سودان تربيون» أن تحركات أسعار العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار، أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحديد أسعار السلع، إلى جانب تكاليف النقل وتلف البضائع ونقص المعروض.

ولا تتوقف تداعيات الغلاء عند حجم الإنفاق، إذ بدأت تؤثر أيضًا في نمط استهلاك الأسر ونوعية الغذاء وعدد الوجبات، فضلًا عن قدرتها على الإنفاق على الصحة والتعليم والمواصلات.

ويقول إبراهيم حسن، وهو عامل باليومية، إن ما يحصل عليه من دخل يومي لم يعد يوفر له القدرة الشرائية التي كانت متاحة قبل اندلاع الحرب، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع مقابل تراجع الدخول.

ويرى اقتصاديون أن خطورة الوضع الراهن تتجاوز ارتفاع الأسعار في حد ذاته، إذ إن المشكلة تتفاقم عندما يتزامن التضخم مع تقلص فرص العمل وتراجع الدخول، ما يؤدي إلى اتساع الفارق بين قدرة الأسر على تحقيق موارد مالية وتكلفة احتياجاتها الأساسية.

تراجع حاد في قيمة الجنيه
ويربط الخبير الاقتصادي عادل خلف الله استمرار الحرب بصورة مباشرة بتدهور سعر صرف الجنيه السوداني، معتبرًا أن انخفاض قيمة العملة ينعكس بصورة متواصلة على أسعار السلع والخدمات.

وقال خلف الله لـ«سودان تربيون» إن نحو 80% من السلع الأساسية في السودان تعتمد على الواردات، ما يجعل أي تراجع في قيمة العملة المحلية ذا تأثير مباشر على تكلفة المعيشة.

وأوضح أن سعر الجنيه أمام الدولار انخفض من نحو 590 جنيهًا في 15 أبريل 2023 إلى 4,500 جنيه في أبريل 2025، ثم إلى 5,300 جنيه في أبريل 2026، قبل أن يصل إلى نحو 7,200 جنيه في سبتمبر الحالي.

وبحسب خلف الله، انعكس هذا التدهور على أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات، من الخبز والمحروقات إلى النقل والمواصلات والأدوية والإيجارات، بالتزامن مع انخفاض القيمة الحقيقية للأجور والمرتبات وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج.

واستدل الخبير الاقتصادي على حجم تراجع القوة الشرائية للجنيه بمثال يتعلق بالخبز، موضحًا أن ألف جنيه كانت تتيح قبل الحرب شراء نحو 20 رغيفة، بينما لا تكفي القيمة نفسها حاليًا إلا لشراء رغيفين إلى ثلاثة أرغفة.

ويرى خلف الله أن أزمة الأسعار لا ترتبط بسعر الصرف وحده، إذ تسهم زيادات الضرائب المباشرة وغير المباشرة في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى، مشيرًا إلى تعديل الفئات الجمركية سبع مرات منذ أبريل 2026.

كما لفت إلى تأثير ارتفاع أسعار المحروقات في تكلفة الإنتاج المحلي والنقل، فضلًا عن توسع نشاط المضاربة والاحتكار، الذي قال إنه لم يعد مقتصرًا على النقد الأجنبي، بل امتد إلى السلع الأساسية والذهب والمحاصيل والسيارات وقطع الغيار.

مرونة سعر الصرف تحت المجهر
وفي ما يتعلق بسياسة النقد الأجنبي، قال خلف الله إن منشورًا صادرًا عن محافظ بنك السودان المركزي أدى، وفق تقديره، إلى زيادة مرونة سعر الصرف، بعد التحول من نظام «المرن المدار» إلى ما وصفه بـ«الحر شبه المطلق»، مع السماح للمصارف بتعديل أسعار الصرف أكثر من مرة خلال اليوم.

واعتبر أن هذه الآلية تعكس عمليًا تعويمًا غير معلن لسعر الصرف، في ظل اختلال واضح بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، حيث يظل المعروض محدودًا في مقابل ارتفاع الطلب.

وأضاف أن استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي والذهب لدى البنك المركزي يمثل عاملًا إضافيًا يضغط على قيمة الجنيه. وأشار إلى تقديرات بنك التنمية الأفريقي التي تفيد بأن احتياطيات السودان لا تغطي أكثر من 1.1 شهر من الواردات، بالتزامن مع معدل تضخم يقدره بنحو 150%.

وحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار انخفاض قيمة الجنيه بالمعدلات الحالية يعكس عمق الأزمة الاقتصادية، مشددًا على ضرورة التعامل مع جذور المشكلة بدلًا من تجاهل آثارها.

ويرى خلف الله أن وقف الحرب عبر التفاوض يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك استقرار سعر الصرف، مؤكدًا أن استمرار الحرب يجعل الوصول إلى استقرار العملة، فضلًا عن تحسين قيمتها، أمرًا بالغ الصعوبة في ظل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للصراع.

وبحسب تقديره، فإن عودة الأسعار إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب ستظل بعيدة ما لم تتوقف الحرب ويتحقق السلام، إذ إن استعادة الاستقرار النقدي والاقتصادي ترتبط بصورة وثيقة بعودة الإنتاج والتجارة وانتظام حركة الإمداد داخل البلاد.

سودان تربيون

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *