المندرة نيوز

أسامة العوض يكتب: التعليم في زمن الوجع.. حين يصبح حلم الابن عبئاً على أبيه

الخرطوم=^المندرة نيوز^
دعونا نتوقف عن الحديث السياسي للحظة، ولننظر إلى البيت السوداني من الداخل.

البيت السوداني اليوم ليس بيتاً كبيرا جامعاً اجتماعياً ، بل هو غرفة طوارئ كبيرة، مهولة محاطة بكبر التحديات، كل شيء فيه معاناة،، الكهرباء معاناة، الماء معاناة، العلاج معاناة، لقمة العيش معاناة. ولكن تظل المعاناة الأكبر والأكثر وجعاً، هي معاناة التعليم.
نعم للحرب تأثير كبير وواضح ، ولكن بنفس القدر نحتاج إلى الفكرة العبقرية للخروج من الأزمة .

القضية ليست قضية شح في المال كميزانيات ، بل القضية هي سوء في التوزيع مع الهدر والصرف غير المرشد لهذه الميزانيات في ما لا طائل منه ، وليس الصرف على برامج معدة ومصممة لمشروعات ترمم فجوات التعليم ، وتلك هي مشكلتنا في سوء إدارة الدولة والأجهزة المعنية بذلك ( هدر المال رغم شحه ) .

الأسرة السودانية صارت اليوم تعيش هاجساً مرعباً، هاجساً لا ينام، اسمه: *كيف أعلم أبنائي؟*
هذا سؤال ضخم موجود في عقلية كافة الأسر السودانية ،
لم يعد السؤال: هل سيدخل ابني كلية الطب أم الهندسة؟ أصبح السؤال: هل سأستطيع أن أبقي ابني في المدرسة أصلاً؟

*المشهد في المراحل الأولية: تعليم الفقراء أصبح رفاهية*

ولي الأمر كان في السابق يفكر في كراسات وشنطة، وكان مقدور عليها، اليوم يفكر في منظومة كاملة من الرسوم التي لا تنتهي .

رسوم تسجيل، رسوم امتحان، رسوم طباشير، رسوم حراسة، رسوم كهرباء المدرسة، رسوم دروس خصوصية إجبارية لأن الفصل فيه 80 طالباً والمعلم مرهق ومظلوم هو الآخر. المدرسة الحكومية التي كانت مجانية، أصبحت تكلف الأسرة في الشهر ما يعادل مرتب شهر كامل.

الأم تقسم مصروف البيت إلى ثلاثة: أكل، ومواصلات، وما تبقى للتعليم. وإذا مرض أحد، سقط بند التعليم.

والنتيجة؟ آلاف الأطفال يتسربون بصمت. لا يعلنون أنهم تركوا التعليم، بل يقولون “أجلنا السنة دي”. وتأجيل وراء تأجيل، حتى يصبح الطفل عاملاً في سوق أو سائق ركشة. نحن لا نخسر طالباً، نحن نخسر جيلاً كاملاً.
أسر سودانية هاجرت إلى دول الجوار من أجل الحصول على تعليم مناسب ، ودولة مصر خير مثال نستدل به ، والاحصائيات تفوق الخيال .

*المشهد في الجامعات: شهادة لمن استطاع إليها سبيلا*

أما الجامعات، فالوجع فيها أكبر.

طالب نجح وتفوق في الشهادة السودانية رغم الحرب والنزوح وقطوعات النت، جاء فرحاً بأنه سيصبح طبيباً أو مهندساً. فصدمته الجامعة برسوم دراسية تقدر بمليارات الجنيهات.

الأسرة التي كانت تحلم، أصبحت تبكي. الأب يبيع جزءاً من أثاث بيته، الأم تبيع ذهبها، الأخ المغترب يضاعف ساعات عمله، كل ذلك لتوفير رسوم سنة واحدة. فماذا عن السنة الثانية والثالثة والرابعة؟

الجامعات الخاصة والحكومية على حد سواء، رفعت الرسوم بنسب خيالية، بذريعة التضخم وتكلفة التشغيل، ونسيت أن ولي الأمر أيضاً يعيش نفس التضخم ونفس التشغيل.

فأصبح التعليم الجامعي ليس حقاً دستورياً، بل سلعة لمن استطاع إليها سبيلا.

*ما هو الأثر النفسي؟ وهنا الكارثة*

*1. على نفسية الطالب:*
الطالب السوداني اليوم يشعر بالذنب. نعم بالذنب. يرى أباه يتألم ليوفر له الرسوم، فيشعر أنه عبء، يدرس وهو يفكر في فاتورة الجامعة، لا في معادلة الكيمياء. طالب يدرس تحت ضغط مادي يتحول من مبدع إلى خائف، من متفوق إلى محبط، كثير منهم أصيب بالقلق والاكتئاب، وبعضهم ترك الجامعة في صمت لأنه لا يريد أن يرهق أهله أكثر.

*2. على نفسية ولي الأمر:*
الأب السوداني والأم السودانية يشعران بالعجز والانكسار. أصعب شعور على الرجل السوداني أن يقف عاجزاً أمام طلب ابنته لدفتر أو رسوم جامعة. هذا الانكسار يولد توتراً داخل البيت، مشاكل أسرية، شعور بالفشل، وفقدان للهيبة المعنوية أمام الأبناء. المجتمع الذي كان يفتخر بأن أبناءه في الجامعات، أصبح يخجل لأنه لا يستطيع تعليمهم.

*3. على المجتمع:*
مجتمع لا يستطيع تعليم أبنائه، هو مجتمع يحكم على نفسه بالموت البطيء. سنخرج جيلاً ناقص التعليم، ناقص المهارة، سهل الانقياد، سهل التجنيد في أي مليشيا أو عصابة، لأنه لم يجد مقعداً في فصل، فوجد مقعداً في عربة مسلحة. الأمية ستعود، والجهل سينتشر، وسنعود عشرات السنين إلى الوراء.

*ما الحل؟ وما دور الحكومة؟*

الحكومة ممثلة في وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، يجب أن تتصرف كدولة في حالة طوارئ تعليمية، لا كمحاسب ينتظر الرسوم.

*أولاً: لوزارة التربية والتعليم:*
– *إعلان مجانية التعليم الأساسي حقيقة لا شعاراً:* وقف كل الرسوم غير القانونية في المدارس الحكومية فوراً، ومعاقبة أي مدير يفرض رسوماً.
– *دعم المعلم لا الطالب فقط:* لا يمكن أن نطالب بتعليم مجاني ومعلم جائع. زيادة مرتبات المعلمين هي أول خطوة لتقليل الدروس الخصوصية.
– *الكتاب المدرسي والوجبة المدرسية:* العودة لمشروع الكتاب المجاني والوجبة المدرسية المدعومة، فهي التي كانت تحمي الفقير وتشجع الأسرة على إبقاء ابنها في المدرسة.

*ثانياً: لوزارة التعليم العالي:*

– *تأسيس صندوق الطالب الجامعي:* تفعيل صندوق لدعم الطلاب عبر قروض حسنة بدون فوائد، يسددها الطالب بعد التخرج والتوظيف، كما تفعل كل دول العالم .
– *التوسع في المنح والقبول المجاني:* زيادة نسبة القبول العام المجاني وتقليل القبول الخاص، وفرض نسبة 15% منح مجانية كاملة في كل الجامعات الخاصة للمتفوقين من أبناء الفقراء.
– *الدفع بالتقسيط المريح:* إلزام الجامعات بقبول الرسوم على 4 أقساط على الأقل، ومنع حرمان أي طالب من الامتحان بسبب الرسوم.

يا حكومة السودان..
المواطن السوداني صبر على انقطاع الكهرباء، وصبر على صفوف الخبز، وصبر على انعدام الدواء.

لكنه لن يصبر إذا رأى ابنه يضيع أمامه لأنه لا يملك ثمن تعليمه.
بالتعليم الجيد تبنى الأوطان ، وترفع رايات المجد .
على الحكومة أن تهتم بالتعليم والمعلم كأولوية قصوى ، وهذا يمثل إرادة دولة في حلمها القادم .

مصادر تمويل التعليم فكر ابداعي ومجتمعي ، ويحتاج إلى عبقرية مدهشة في الإدارة ، لا انصاف الحلول والمهدئات التي نراها اليوم .
غياب المجالس القومية للتعليم في الفترة الماضية أضعفت حلقات التعليم ،،، ونأمل في مزيد من الإهتمام .

أنقذوا التعليم.. تنقذوا سودان الحرب .

كتبه : أسامة العوض
التاريخ : 20 اكتوبر 2026 .

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *