الخرطوم =^المندرة نيوز^
جاء بيان الشركة السودانية للسكر رداً على ما ورد في عمود البُعد الآخر، في محاولة لتوضيح موقف الإدارة تجاه أوضاع العاملين. والحق أن البيان حمل بعض المعلومات المهمة، خاصة ما يتعلق بصرف المرتب الأساسي عبر وزارة المالية، وتسوية استحقاقات المتقاعدين، وسداد فاتورة الكهرباء إلى حين استئناف الإنتاج. هذه النقاط تشير إلى أن هناك تحركات إدارية جارية، وأن الدولة ما زالت تتعامل مع قطاع السكر باعتباره قطاعاً يستحق المتابعة حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
لكن عند قراءة البيان بعين صحفية تبحث عن الصورة الكاملة، تظهر فجوات لم يتطرق إليها الخطاب الرسمي بوضوح. فالقضية التي أثارها العاملون لم تكن مجرد سؤال حول المرتب الأساسي، بل حول كامل منظومة الأجور والاستحقاقات المتأخرة. وهنا يأتي تعقيب النقابة الذي أضاف بعداً مهماً للنقاش، إذ أوضح أن البيان لم يشر إلى متأخرات مالية تعود إلى العام 2023، إضافة إلى مرتبات أربعة أشهر من العام 2024 لم تُصرف حتى الآن. هذه النقطة تحديداً تمثل جوهر الأزمة بالنسبة للعاملين، لأنها تمس قدرتهم المباشرة على مواجهة أعباء المعيشة.
كذلك لم يقدم البيان إجابة واضحة حول مسألة الزيادات في الأجور التي شملت قطاعات حكومية أخرى. العاملون في مصانع السكر يتساءلون ببساطة: هل تشملهم تلك الزيادات أم لا؟ غياب الإجابة الحاسمة يترك مساحة كبيرة للقلق، ويزيد من شعورهم بأنهم خارج حسابات السياسات المالية الجديدة.
تعقيب النقابة أشار أيضاً إلى مشكلة أخرى تتعلق بضعف التواصل بين الإدارة والعاملين. فبحسب ما ذكره ممثلو النقابات، فإن محاولات التواصل مع الجهات المختصة لم تسفر عن معلومات مطمئنة، بل كشفت أحياناً عن نقص في البيانات الأساسية حول أوضاع الشركة وعدد العاملين فيها. مثل هذه الإشارات تفتح باباً أوسع للنقاش حول مستوى التنسيق المؤسسي في إدارة قطاع صناعي بهذه الأهمية.
وفي جانب الاستثمار، تحدث بيان الشركة عن اتصالات مع مستثمرين من سلطنة عُمان لبحث تمويل إعادة تشغيل المصانع. غير أن تعقيب النقابة طرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذه المساعي في ظل واقع اقتصادي وأمني غير مستقر. كما استحضر تجربة سابقة لمذكرة تفاهم وُقعت العام الماضي مع شركة أجنبية لم تحقق النتائج المتوقعة، وهو ما يجعل العاملين أكثر حذراً في استقبال مثل هذه الأخبار.
كل ذلك لا يعني التقليل من قيمة البيان أو الجهود التي قد تبذلها الإدارة، لكنه يكشف أن القضية أكبر من مجرد توضيح إداري. ما يحتاجه العاملون اليوم هو معلومات دقيقة، وجدول زمني واضح لمعالجة المتأخرات، وخطة حقيقية لإعادة تشغيل المصانع.
بعد اخير :
خلاصة القول، صناعة السكر في السودان ليست مجرد منشآت متوقفة، بل منظومة اقتصادية عاش عليها آلاف العمال والمزارعين لعقود طويلة. حين تهتز هذه المنظومة، فإن أثرها لا يقف عند حدود المصنع، بل يمتد إلى مجتمع كامل.
واخيراً، الطريق إلى تهدئة القلق لا يمر عبر البيانات وحدها، بل عبر قرارات عملية تعيد الثقة بين الإدارة والعاملين. فالعامل الذي صبر كل هذه السنوات لا يبحث عن الوعود بقدر ما ينتظر خطوات واضحة تعيد الحياة إلى المصانع… وتعيد الطمأنينة إلى بيوت ظلت معلقة بين الأمل والانتظار.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 15 مارس 2026م






