الخرطوم =^المندرة نيوز^
تعود الخرطوم هذه الأيام إلى مشهد مقلق لم يغب عن ذاكرة الناس قبل اندلاع الحرب. في شوارع أم درمان والخرطوم وبحري، يتزايد انتشار متسولين غرباء بصورة لافتة، كثير منهم لا يتحدث العربية أو يتحدثها بصعوبة، ويتحركون في مجموعات تضم شباباً ونساءً وأطفالاً. المشهد في ظاهره إنساني بسيط، لكنه في نظر كثيرين يطرح أسئلة أكبر من مجرد ظاهرة فقر أو حاجة.
اللافت أن هؤلاء لم يظهروا فرادى كما جرت العادة، بل وصلوا في موجات واضحة. بعض الروايات تشير إلى أنهم نُقلوا عبر البصات السفرية والشاحنات برحلات منظمة نحو ولاية الخرطوم، وكأن هناك جهة تتكفل بترحيلهم وتوزيعهم بتخطيط محكم داخل العاصمة. وفي أحياء عديدة، بدأ بعضهم الإقامة في المنازل المهجورة أو العمل كحراس أو خدم داخل البيوت، وهو أمر يثير قلق السكان الذين يتذكرون جيداً كيف تسللت بعض الشبكات إلى المدن قبل الحرب عبر أغطية اجتماعية مشابهة.
الخبرة التي خلفتها الحرب علمت السودانيين أن المدن لا تُخترق دائماً بالسلاح أولاً. أحياناً تبدأ القصة بوجود يبدو عادياً: عمالة غريبة، متسولون، أو أشخاص لا يعرفهم أهل الحي. ثم يتحول هذا الوجود لاحقاً إلى شبكة معلومات أو نقاط ارتكاز تستفيد منها جهات معادية عند الحاجة. لهذا يرى كثير من المراقبين أن التهاون مع هذه الظاهرة قد يفتح الباب لتكرار سيناريوهات دفع ثمنها المواطن من أمنه واستقراره.
الأمر لا يعني إطلاق الأحكام على كل فقير أو محتاج، فالسودان بلد عُرف تاريخياً بإنسانيته واحتضانه للناس. لكن الفرق كبير بين التعاطف مع الفقر وبين ترك العاصمة مفتوحة أمام تحركات مجهولة المصدر. المسؤولية هنا تقع أولاً على الدولة، لأن ضبط الحدود وحركة البشر داخل البلاد مسألة سيادية لا تحتمل التراخي.
المطلوب اليوم خطوات واضحة: تنظيم حملات رسمية لحصر المتسولين والتأكد من هوياتهم، مراقبة وسائل الترحيل التي تنقلهم إلى العاصمة، والتنسيق بين الشرطة والأجهزة المختصة ولجان الأحياء لرصد أي نشاط مريب. كما أن وجود خط ساخن للإبلاغ عن الحالات المشبوهة يمكن أن يساعد في كشف الكثير من التحركات قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
في المقابل، على المجتمع أن يتعامل بوعي ومسؤولية. الإبلاغ عن الظواهر الغريبة، ومعرفة من يسكن المنازل المهجورة أو يعمل داخل الأحياء، كلها إجراءات وقائية بسيطة لكنها مهمة. الأمن في النهاية ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل منظومة يشترك فيها المواطن أيضاً.
بعد اخير:
خلاصة القول، لقد دفعت الخرطوم ثمناً باهظاً بسبب الاستهانة بالمؤشرات الصغيرة في الماضي. لذلك فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع أي ظاهرة غير طبيعية بجدية منذ بدايتها. فالأزمات الكبيرة غالباً ما تبدأ بتفاصيل تبدو عادية للوهلة الأولى.
وأخيرًا، إذا كانت العاصمة قد بدأت بالفعل تتعافى من جراح الحرب، فإن حماية هذا التعافي تتطلب يقظة دائمة. فالأوطان لا تسقط فجأة، بل حين يُسمح للخطر أن يكبر بصمت. واليقظة اليوم قد تكون الفرق بين مدينة تتعلم من دروسها، ومدينة تعود مرة أخرى إلى المربع الأول.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 16 مارس 2026م






