الخرطوم=^المندرة نيوز^
خطوة شجاعة طال انتظارها، هكذا يمكن ببساطة وصف قرار السيد رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، الدكتور كامل الطيب إدريس، الصادر الأحد 15 مارس 2026. القرار القاضي بإلغاء وظيفة وكيل التخطيط بوزارة المالية ودمج مهامها كلياً ضمن الأمانة العامة للمجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي ليس مجرد تعديل إداري روتيني، بل هو جراحة عاجلة ومطلوبة لإصلاح جسد الخدمة المدنية المنهك. نحن أمام دولة تصارع يومياً من أجل البقاء وتوفير الأساسيات، ولا تملك إطلاقاً ترف إهدار الوقت والمال المحدود في هياكل حكومية متوازية تؤدي نفس المهمة.
لسنوات طويلة ومريرة، عانى دولاب العمل الحكومي في بلادنا من ترهل عجيب وتداخل مربك جداً في الاختصاصات. تجد إدارات ومكاتب كاملة تصنع خططاً في وادٍ، بينما تقوم وكالات أخرى في ذات الوزارة أو خارجها بعمل مطابق تماماً. هذا التشوه الهيكلي لا يقف عند حدود وزارة المالية، بل يمتد بعمق لوزارات اتحادية أخرى تتقاطع صلاحياتها وتتضارب بشكل حاد مع مهام الوزارات الولائية المماثلة. قطاعات حيوية تمس حياة المواطن كالصحة، والزراعة، والتعليم تدفع غالياً ثمن هذه التقاطعات.
المسؤوليات تتوه بين المركز والولايات، وتتبدد ميزانيات التنمية الشحيحة في الصرف الإداري على جيوش من الموظفين داخل هياكل لا تنتج سوى المزيد من الورق والبيروقراطية الخانقة. لذلك، فإن قرار دمج مهام التخطيط يعالج هذا الخلل من جذوره، ليوحد بوصلة الدولة التنموية تحت مظلة واحدة.
لو تأملنا تجارب دول واجهت أزمات وجودية مشابهة، سنجد أن مفتاح النهضة الحقيقي بدأ دائماً بترشيق الهياكل الحكومية. رواندا، على سبيل المثال، نهضت بسرعة من رماد التمزق عبر بناء مؤسسات دولة مرنة لا تعرف الترهل، وتعمل بتجانس تام. سنغافورة أيضاً أسست معجزتها الاقتصادية على خدمة مدنية صغيرة الحجم لكنها عظيمة الفاعلية. أدركت تلك الأمم مبكراً أن كثرة المناصب لا تعني أبداً كثرة الإنجاز.
بعد اخير :
خلاصة القول، لمعالجة بقية الإشكالات الهيكلية المعقدة في السودان، يجب أن تمتد قرارات الإصلاح لتشمل كافة مفاصل الدولة. نحتاج بشدة إلى مراجعة شاملة وعاجلة للقوانين واللوائح المنظمة للعمل بين السلطة الاتحادية والولائية لفك كل الارتباطات المربكة. ينبغي فوراً دمج أي إدارات متشابهة، وإعلاء مبدأ الكفاءة والإنتاج على حساب سياسة الترضيات التي خلقت لنا مجالس ووزارات لا حاجة فعلية لها.
وأخيرًا، الأوطان المأزومة لا تبنى بالهياكل الوهمية وجيوش الموظفين بلا مهام واضحة، بل تبنى بالرؤية الصادقة والإدارة الرشيدة للموارد. قرار رئيس الوزراء يمثل خطوة متقدمة في الاتجاه الصحيح الذي ننشده، وعلينا جميعاً دعمه وتوسيع دائرته لتأسيس دولة خفيفة الحركة، قادرة أخيراً على تلبية طموحات المواطن السوداني الذي طال صبره.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 17 مارس 2026م







