المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. سَلامُ المَقابِر: مَن يَكسِر بُندقيّة الجَيش لا يُوقِف الحَرب.. بَل يُنهِي الدَّولَة ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل ثمة فرق بين أن تطلب من إنسان أن يعيش بسلام، وبين أن تطلب منه أن يموت بهدوء؟ في الأوقات العادية، يبدو هذا السؤال فلسفياً لا طائل منه، ولكن حين تُقتلع من بيتك، وتُسلب ذكرياتك، وتجد نفسك فجأة لاجئاً أو نازحاً في وطنك، يصبح هذا السؤال هو الحد الفاصل بين إرادة الحياة وقبول الفناء.

هنا تتجلى إشكالية الشعار الذي يتردد اليوم بكثافة في المشهد السوداني: “لا للحرب”. على الورق، هو نداء إنساني نبيل يتفق عليه كل ذي فطرة سليمة، فلا أحد يعشق رائحة البارود أو يتمنى الخراب لمسقط رأسه. ولكن، حين يُرفع هذا الشعار في وجه الضحية التي تحاول بالكاد أن تدافع عن حقها في الوجود، فإنه يفقد براءته المزعومة، ويتحول من دعوة للسلام إلى أداة تخدير سياسية لا تخدم سوى المعتدي.

القضية في السودان لم تعد مجرد خلاف سياسي تقليدي يمكن تسويته حول طاولة مفاوضات مستديرة، بل تتكشف يوماً بعد يوم كمؤامرة أوسع، وعدوان صريح استُخدمت فيه أسوأ أنواع التبريرات. لقد تابعنا جميعاً كيف صيغت الأعذار الواهية لتغطية هذا الخراب؛ فتارة رُفعت لافتة “جلب الديمقراطية”، وتارة أخرى “استئصال الفلول”، ثم تطورت إلى “تفكيك دولة 56”. وهي شعارات تبخرت سريعاً بمجرد أن اصطدمت بواقع الأرض: نهب ممتلكات المواطنين، احتلال منازلهم، وتشريد الملايين. وسيسجل التاريخ هذه التبريرات كواحدة من أشد المحاولات بؤساً لتغطية جرائم ضد الإنسانية بغلاف سياسي رديء.

لم يتوقف الأمر عند الفاعلين في الداخل وتواطؤ بعض أبناء الوطن، بل اتضحت أبعاد الحرب بالوكالة بشكل سافر. التوترات الأخيرة والمؤشرات التي تتجه نحو دول جارة كإثيوبيا، تكشف عن أجندات إقليمية تستهدف عمق الدولة السودانية ومقدراتها. هذا التعدي السافر استدعى إعلان التعبئة العامة، وهو حق طبيعي ومسؤولية لأي دولة تواجه تهديداً سيادياً. ومع ذلك، في قلب هذه اللحظة المفصلية، تطل برأسها مجدداً أبواق التثبيط تحت راية “لا للحرب”، وكأن المطلوب من السوداني أن يستقبل الرصاص بصدر عارٍ، وأن يبتسم لمن يقتحم بيته.

إذا قلبنا صفحات التاريخ، سنجد أن هذه الظاهرة ليست حكراً على السودان. كل الدول التي تعرضت لغزو أو حروب وجودية عانت من ظهور فئات ترفع لافتة “السلام” في التوقيت الخطأ. حدث ذلك في أوروبا حين اجتاحتها الجيوش الفاشية، حيث حاولت بعض النخب تبرير الخضوع بحجة حقن الدماء، فكانت النتيجة استعباداً كاملاً.

الأوطان التي نجت من تلك المحن لم تتجاوزها بالاستماع إلى أصوات التنازل المجاني، بل بالوعي الحاد، والالتفاف حول فكرة بقاء الدولة. أدركت تلك الشعوب أن من يطالبك بوضع سلاحك بينما العدو يصوبه نحو رأسك، هو في الحقيقة لا يدعوك للسلام، بل يمهد طريقك للمسلخ.

على أرض الواقع، يدرك المواطن البسيط، الذي فقد مصدر رزقه وسكينة عائلته، أن السلام الحقيقي لا يُستجدى بالهتاف. السلام قرار يصنعه الأقوياء، ويُفرض عندما تتوازن الكفة وتُسترد الحقوق. ما يحتاجه الشعب السوداني اليوم للانتصار على هذه المؤامرة ليس الانجرار خلف شعارات تبدو في ظاهرها رحمة وفي باطنها استسلام، بل يحتاج إلى التماسك الاجتماعي، وقراءة الواقع بلا سذاجة. حماية العرض والأرض ليست خياراً يخضع للمناورة الحزبية، وتجاوز هذا الخذلان يتطلب فرزاً دقيقاً بين من يسعى لإيقاف النزيف بإرساء العدل، وبين من يستخدم “السلام” كحصان طروادة لتمرير هزيمة الأمة.

بعد اخير:

خلاصة القول، نحن نقف الآن في مساحة ضيقة جداً بين التمسك بالحياة وبين الانزلاق نحو التلاشي. المروجون للاستسلام باسم السلام يتجاهلون حقيقة بديهية، وهي أن المعتدي لا يتوقف عندما ترفع له الراية البيضاء، بل يتوقف فقط عندما يدرك أن كلفة تقدمه أكبر من قدرته على الاحتمال.

وأخيرًا، أن ترفض الحرب هو موقف أخلاقي، ولكن أن ترفض الدفاع عن نفسك فهذه خطيئة تاريخية، لأن السلام الذي يُبنى على أنقاض كرامتك ليس سلاماً.. إنه مجرد استراحة قصيرة قبل أن يتم محوك تماماً.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

الثلاثاء | 12 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *