الخرطوم=^المندرة نيوز^
في ظل حرب دخلت عامها الرابع، يبدو أن الملف الخارجي للسودان يواجه تحدياً لا يقل تعقيداً عن التحدي الميداني: كيف تُدار الرواية، ومن يملك أدوات إيصالها، ومتى يكون التوقيت مناسباً؟
الأسابيع الماضية كشفت عن سلسلة تحركات خارجية حكومية لم تحقق الأثر المتوقع، في وقت يتصاعد فيه الضغط التشريعي والإعلامي الأمريكي ضد الجيش السوداني ومؤسسات الدولة.
*زيارة رئيس الوزراء: غياب البروتوكول وتغييب الرواية*
جولة رئيس مجلس الوزراء إلى الفاتيكان ولندن كانت فرصة لإعادة تموضع السودان في الخطاب الغربي، لكنها مرت دون أن تُستثمر بالشكل المطلوب.
في الفاتيكان، كان من المتوقع أن يضع الوفد أمام الكرسي الرسولي ملف استهداف دور العبادة، وعلى رأسها العملية الأمنية التي نفذتها المخابرات العامة لإجلاء منسوبي الكنيسة القبطية بالخرطوم، واستهداف الكنيسة القديمة في أم درمان. غياب هذه الشهادات الحية من الوفد أضعف من قدرة السودان على تقديم نفسه كدولة تحمي مواطنيها بمختلف انتماءاتهم.
وفي لندن، جاءت الزيارة خالية من الإطار البروتوكولي المعتاد، مع تركيز على مخاطبة جامعات أكاديمية ككامبريدج وأكسفورد. هذه المنابر مهمة، لكنها تدخل في اختصاص وزارتي الخارجية والتعليم العالي، وليس في صميم المهام التنفيذية لرئيس الحكومة أثناء الحرب. النتيجة كانت خطاباً مفرغاً من السياق السياسي والأمني الذي تعيشه البلاد.
*زيارة المستشار السيادي: مبادرة بلا سند مؤسسي*
زيارة أمجد فريد الطيب، مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية، إلى عواصم غربية لم تحقق اختراقاً سياسياً ملموساً. ففي لحظة تحتاج فيها الدولة إلى خطاب موحد ومتعدد القنوات، ظهر التحرك وكأنه مبادرة فردية بلا تنسيق مع مؤسسات الخارجية والسيادة.
غياب هذا التنسيق جعل الزيارة تفتقر للزخم الإعلامي والدبلوماسي، ولم تسهم في مواجهة السردية التي تصور الجيش السوداني كطرف معزول دولياً.
*الضغط الأمريكي: من الكونغرس إلى القطاع الخاص*
التحركات السودانية جاءت متزامنة مع تصعيد أمريكي جديد. في 7 مايو 2026، وجه رئيسا لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في الكونغرس، النائبان جيمس ماكغفرن وكريستوفر سميث، رسائل إلى شركات كبرى مثل ديزني ووارنر براذرز وNBA وNFL، يطالبانها بإعادة النظر في شراكاتها مع كيانات مرتبطة بالإمارات، بدعوى تورطها في دعم أطراف مسلحة في السودان.
الرسالة واضحة: المعركة انتقلت من مجلس النواب الأمريكي إلى القطاع الخاص، بهدف عزل السودان اقتصادياً وإعلامياً. وفي ظل غياب غرفة عمليات دبلوماسية موحدة، يبقى الرد السوداني متأخراً ومشتتاً، مما يمنح المبادرة لأطراف أخرى تشكل الصورة الذهنية أمام الرأي العام الغربي.
*الحل: قرار رئاسي وحسم على أعلى مستوى*
الخلاصة التي تفرض نفسها أن الملف الخارجي لم يعد يحتمل الاجتهادات الفردية والتقديرات المتباينة. المطلوب اليوم قرار رئاسي واضح من فخامة الرئيس السيد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بحسم إدارة هذا الملف وأخذه “بقوة” كما تُدار معارك الميدان.
لا يمكن للدولة أن تواجه حملة دولية منظمة في الكونغرس والإعلام الغربي بغرف عمليات منفصلة وخطابات متضاربة. غرفة عمليات دبلوماسية مركزية، تربط بين مجلس السيادة، مجلس الوزراء، وزارة الخارجية، والأجهزة السيادية، هي المدخل الوحيد لتوحيد الرسالة وتحديد الأولويات وتوقيت التحرك.
*الخلاصة*
بدون هذا الحسم الرئاسي، ستظل الزيارات الخارجية مجرد جولات بروتوكولية لا تغير في موازين الضغط الدولي، بينما تستمر الحملات المنظمة في رسم صورة السودان وفق مصالحها. المعركة الدبلوماسية اليوم لا تقل أهمية عن معركة الميدان، وغياب التنسيق فيها يعني خسارة جبهة كاملة.
*السؤال المطروح*: هل يتخذ الريس خطوة حاسمة لإعادة ضبط البوصلة الدبلوماسية قبل أن تتحول الضغوط الخارجية إلى واقع سياسي يصعب التراجع عنه؟
*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولاً وأخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*13/05/2026*ط







