المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. شهادة وفاة في بكين: كيف أجبر وحل طهران واشنطن على التنازل عن العرش؟

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل تساءلت يوماً لماذا قد يطرق الغريم باب منافسه الأشرس في لحظة ضعفه؟ مشهد الطائرة الرئاسية الأمريكية وهي تهبط في العاصمة الصينية بكين لا يعكس زيارة بروتوكولية معتادة، بل يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً ومريراً بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد تكفي لفك شفرات العالم المعقدة.

الرئيس الأمريكي، العالق في رمال الحرب الإيرانية المتحركة، يجد نفسه مضطراً للجلوس على طاولة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ليس لإملاء الشروط من موقع القوة المنتصرة، بل للبحث عن مخرج من مستنقع يوشك أن يبتلع هيبة إدارته.

القضية هنا تتجاوز بكثير حدود طهران وواشنطن؛ إنها إعادة ترتيب إجبارية لأوراق القوة في العالم. لقد استنزفت حرب إيران الجهد والموارد الأمريكية، وجعلت صانع القرار في البيت الأبيض يدرك متأخراً أن الاستمرار في هذا الوحل يمنح “التنين الصيني” فرصة ذهبية للتمدد في صمت.

وهنا، التقطت بكين اللحظة بذكاء مبهر. لم يلوّح الرئيس الصيني لضيفه المأزوم بالسلاح أو بالتهديد، بل استخدم لغة التاريخ الباردة، داعياً إياه لتجاوز ما يُعرف بـ “فخ ثوسيديدس”. وهذا الفخ، ببساطة شديدة، هو تلك الحتمية التاريخية المدمرة التي تشير إلى أن صداماً دموياً يقع دائماً عندما تحاول قوة صاعدة إزاحة قوة مهيمنة تتشبث بالقمة. رسالة شي لترامب واضحة: دعنا لا نكرر حماقات الإمبراطوريات السابقة، الحل الوحيد لتجنب حرب تحرق الكوكب هو أن تقبلوا، أخيراً، بوجود شركاء في إدارته.

في كواليس هذه المباحثات، لا مكان للعواطف أو الشعارات. واشنطن تريد من بكين أن تستخدم نفوذها الاقتصادي والسياسي للضغط على طهران لتهدئة اللعب، أو في أضعف الإيمان، أن تضمن أمريكا ألا تقدم الصين شريان حياة لعدوها يطيل أمد الاستنزاف.

في المقابل، الثمن الصيني حاضر ومكتوب سلفاً: تنازلات أمريكية حقيقية في ملفات تايوان، وبحر الصين الجنوبي، والحرب التجارية والتكنولوجية. هي مقايضة براغماتية بين جغرافيا الشرق الأوسط المشتعلة التي تكبل أمريكا، ومستقبل النفوذ في آسيا الذي تتطلع إليه الصين.

قد يبدو هذا الصراع الجيوسياسي الطاحن بعيداً عن يومياتنا، لكنه في الحقيقة يجلس معنا في تفاصيل حياتنا. عندما تغوص أمريكا في حرب بالشرق الأوسط وتستنجد بالصين، تتأثر خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وترتفع أسعار برميل النفط وتكاليف التأمين، وهو ما ينعكس فوراً على تسعيرة الوقود ورغيف الخبز في الخرطوم، والقاهرة، وصنعاء. نحن في منطقتنا لسنا مجرد متفرجين في لعبة الكبار؛ بل نحن العشب الذي يُداس عندما تتصارع الأفيال، أو الساحة التي تُدفع فيها فواتير تسوياتهم الكبرى.

إذن، ماذا ننتظر بعد هذه الزيارة الاستثنائية؟ الواقع يفرض على العالم سيناريوهين لا ثالث لهما: إما أن نشهد ملامح “صفقة كبرى” يقر فيها الأمريكيون مجبرين بالتعددية القطبية، فيخففون قبضتهم عن العالم مقابل مساعدة صينية تضمن لهم انسحاباً يحفظ ماء الوجه من الشرق الأوسط. أو أن نكون أمام مجرد “هدنة تكتيكية” يشتري فيها الطرفان الوقت؛ أمريكا لالتقاط الأنفاس وترتيب الأوراق، والصين لتعزيز قوتها دون ضجيج.

بعد اخير:

خلاصة القول، نحن نقف الآن أمام انزياح زلزالي في القرن الحادي والعشرين. الرئيس الأمريكي لم يذهب إلى الصين ليصنع السلام، بل ذهب لأنه اصطدم بحقيقة أن كلفة إدارة العالم بمفردك أصبحت باهظة جداً، وأن الحرب في إيران لم تكن سوى المرآة القاسية التي عكست حدود القوة الأمريكية.

وأخيرًا، لقد انتهى عصر الإمبراطورية التي لا تُقهر؛ ففي اللحظة التي طلبت فيها واشنطن المساعدة من بكين، كانت قد وقّعت بالفعل على شهادة ميلاد العالم الجديد.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 15 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *