المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: الاحتلال الصامت: الخرطوم تُباع بلا رصاص.. ولن تعود ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل تساءلت يوماً وأنت تتأمل شوارع الخرطوم المنهكة، عن سر تلك اللوحات التي تتكاثر بصمت على أبواب المنازل، معلنة عرضها للبيع العاجل؟ في ظلال الحروب، يبدو مشهد العائلات التي تلملم ذكرياتها وترحل مألوفاً وموجعاً، لكن ما يحدث الآن في عاصمتنا يتجاوز بكثير مجرد رغبة فردية في النجاة أو البحث عن مخرج آمن من واقع قاهـر. المشهد أعمق وأشد خطورة، فحين تُعرض العقارات بهذا الحجم الاستثنائي، وبهذا التزامن المريب، والرغبة المحمومة في التخلص من البيوت بأي ثمن، فنحن لسنا أمام سوق طبيعي يحكمه العرض والطلب.

هنا يتحول الأمر من قرار شخصي تمليه الظروف، إلى ظاهرة منظمة لها سياق خفي، ولها أطراف تغذيها وتنتظر حصاد نتائجها بصبر. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نلتفت إليه ليس لماذا يبيع الناس بيوتهم، بل السؤال الأخطر هو: من الذي يشتري بكل هذه الشهية المفتوحة وفي هذا التوقيت الحرج تحديداً؟ في أزمنة النزاعات، لا تُسلب الأراضي دائماً عبر فوهات البنادق وهدير المدافع، بل تُسلب حين يُدفع سكانها الأصليون ببطء نحو اليأس لتركها، ثم يُعاد ملء الفراغ بهدوء تام، عبر سلاح المال الناعم.

المال الذي يطفو على السطح بعد خراب المعارك ليس بالضرورة مالاً شريفاً يعمر الأرض. جزء كبير من هذه السيولة ولد من رحم الفوضى، من اقتصاديات الظل، ونهب الثروات، وتجارة الذهب العابرة للحدود وقوانين الدولة. هذه الشبكات التي ترعرعت خارج القانون تبحث اليوم عن واجهة شرعية تستقر خلفها، ولا يوجد ملاذ آمن لتنظيف هذه الثروات المشبوهة أفضل من صبّها في أساسات العقارات. المشتري هنا لا يدفع ملايينه ليقتني جدراناً صماء، بل يشتري موطئ قدم دائم داخل نسيجنا الاجتماعي وهويتنا الثقافية.

مع توالي هذه الصفقات، تتشكل ملامح تغيير ديمغرافي صامت يبتلع هوية المكان بلا ضجيج. التجارب الدولية القريبة تخبرنا أن مدناً عريقة في دول مجاورة فقدت روحها وتغيرت تركيبتها السكانية تماماً بعد صراعات مشابهة، حيث أصبحت أسواق العقارات المنهارة الغسالة الأكبر للأموال السوداء. التغيير لا يقع بغتة، بل يتسلل عبر بيت يُباع هنا، وحي يتبدل هناك، حتى نصحو على واقع ديمغرافي جديد يستحيل تفكيكه. الجريمة المنظمة تتحول هكذا من حدث عابر إلى واقع دائم ومحصن بصكوك ملكية قانونية.

في قلب هذا المشهد، تتحرك جيوش من السماسرة والوسطاء لتعميق جراح المالكين، عبر بث الشائعات، وتضخيم المخاوف، وتسويق وهم أن بيعك لبيتك الآن هو طوق النجاة الوحيد. المواطن المنهك بالخوف وغياب اليقين يظن أنه يتخذ قراراً فردياً حكيماً، لكنه في الواقع يسقط كقطعة شطرنج في لعبة أمن قومي كبرى. إذا اكتفت الدولة بالنظر إلى هذا النزيف كملف اقتصادي بحت، فإنها ترتكب خطيئة تاريخية. ما يُباع اليوم ليس مجرد طوب وأسمنت، بل هو جغرافيا الوطن ومستقبل سيادته على أرضه.

الدول التي تنهض من ركام الصراعات لا تترك أراضيها مشاعاً لمن يدفع أكثر، بل تتدخل بصرامة لحماية ما تبقى من شريانها الحيوي. المطلوب فوراً ليس قرارات عاطفية، بل إجراءات سيادية ذكية تتبع مسارات الأموال، وتمنع الصفقات النقدية المجهولة، وتربط نقل الملكية بتحقيقات ضريبية صارمة. يجب تجميد البيع المكثف في المناطق الاستراتيجية مؤقتاً لضبط الإيقاع، ومراقبة حركة الوسطاء بدقة. وفي المقابل، لا يمكن ترك المواطن وحيداً يواجه غول الحاجة والخوف، بل يجب أن تمنحه الدولة أسباباً حقيقية للتمسك بأرضه.

بعد اخير:
خلاصة القول، هذه ليست مجرد نصائح اقتصادية، بل هي معركة وعي فاصلة يجب أن نخوضها معاً. التاريخ الإنساني حافل بقصص شعوب لم تُهزم في ميادين القتال، لكنها فقدت أوطانها حين فرطت في أرضها تحت وطأة الخوف أو بريق الإغراء المادي العابر. الذين جاؤوا محملين بالأموال في تلك الفترات المظلمة لم يكونوا يبحثون عن مساكن تأويهم، بل كانوا يشترون المستقبل بأسره. نحن اليوم في السودان نقف تماماً على حافة هذا الاختبار المصيري، ومطالبون بالنظر أبعد من احتياجات اللحظة الراهنة.

وأخيرًا، نحن نتفهم قسوة الظروف، ولا يحق لأحد أن يلوم إنساناً يبحث عن طوق نجاة لعائلته وسط هذا الركام. لكن الحقيقة المرة هي أن الأوطان لا يكتب لها البقاء إذا تحولت محاولات النجاة الفردية إلى خسارة جماعية تبتلع مسار الأمة. البيوت التي تُباع اليوم ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي خطوط التماس الصامتة التي تحدد شكل غدنا. إما أن نحرسها بوعينا اليوم، أو نبحث عنها غداً في سجلات الغرباء ولا نجدها.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 17 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *