المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: أطفأتم السودان.. تحذير أخير لشركاء العتمة والانهيار ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في ليالي الصيف الخانقة، وتحت سقف يغلي من حرارة النهار، تجلس الأسرة السودانية في ظلام دامس، لا يقطعه سوى طنين بعيد لمولد كهربائي يملكه من استطاع إليه سبيلا. في تلك اللحظات الصامتة والمشبعة بالعرق والقلق، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط ولكنه شديد المرارة: متى تحولت أبسط مقومات الحياة إلى رفاهية مستحيلة؟ وكيف أصبح النور حلماً بعيد المنال في بلد يمتلك من الموارد ما يكفي لإضاءة قارة بأكملها؟ القضية هنا تتجاوز مجرد انقطاع تيار مؤقت، بل تمتد لتلامس عصب البقاء، وكرامة الإنسان، وقدرته على الصمود في وجه أزمات متلاحقة تعصف بيومه وغده.

لا يمكن لأي عقل منصف أن يتجاهل الجذور الميدانية لهذه الأزمة الخانقة. فهناك استهداف منظم وممنهج، وجريمة حرب مكتملة الأركان وموثقة، نفذتها المليشيا بضرب المحطات التحويلية وتدمير البنى التحتية عن قصد وتخطيط. هذا التدمير المادي الواضح يمثل النصف الأول من المأساة، لكن النصف الآخر، والأكثر إيلاماً، يكمن في طريقة التعاطي مع هذه الكارثة. فنحن نشهد تخبطاً إدارياً، وجهوداً مهدرة، وغياباً تاماً لرؤية واضحة تحدد أولويات إعادة التأهيل. لقد تحولت ما تسمى بـ “البرمجة” إلى فوضى عشوائية لا تحترم وقت المواطن ولا تقدر حجم معاناته، مما فاقم الأزمة وجعلها مركبة ومعقدة.

عندما تصل قطوعات الكهرباء إلى عشرين ساعة يومياً في ذروة الصيف والخريف، فنحن لم نعد نتحدث عن برمجة أحمال، بل عن انهيار شامل. المستشفيات تئن تحت وطأة العجز، والأعمال تتوقف، والطلاب يفقدون قدرتهم على التحصيل، بينما تنهار الثقة تماماً بين المواطن والجهات المسؤولة. وما يزيد الطين بلة هو غياب العدالة في توزيع هذا العجز؛ فبينما يختنق المواطن البسيط في بيته المظلم، تظل أحياء ومناطق بعينها مضاءة دون انقطاع. هذا التفاوت يخلق شعوراً عميقاً بالغبن، ويحول الفشل الإداري إلى ظلم مجتمعي ممنهج يضرب في صميم السلم الأهلي والثقة في مؤسسات الدولة.

إذا نظرنا إلى تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة من حروب وتدمير للبنية التحتية، نجد أن الحلول لم تكن يوماً عبر المسكنات المؤقتة أو الصمت الإداري. تلك الدول اعتمدت على الشفافية المطلقة مع شعوبها كخطوة أولى، ثم اتجهت نحو اللامركزية في التوليد، ودعم حلول الطاقة الشمسية البديلة، ووضع خطط طوارئ واضحة المعالم. لم يختبئ المسؤولون هناك خلف عبارات مستهلكة مثل “جاري العمل”، بل واجهوا الجماهير بالحقائق، وقدموا جداول زمنية دقيقة للحلول الإسعافية والاستراتيجية، لأنهم أدركوا أن إدارة الأزمة تبدأ بإدارة التوقعات بصدق واحترام لعقل المواطن.

وهنا تبرز المسؤولية الأخلاقية والمهنية للجهات المعنية بقطاع الكهرباء بكل طواقمها. الموظف العام يتقاضى راتبه من جهد وعرق هذا الشعب، وواجبه الأساسي هو تقديم الخدمة أو، في أضعف الإيمان، تقديم الحقيقة المحضة. الصمت والتبرير المستمر لم يعد مقبولاً، وتجاهل مخاطبة الناس بخطابات واضحة وحقيقية يعد استهتاراً بالمسؤولية. هناك مهندسون وفنيون يعملون بضمير في ظروف قاهرة، وهذا أمر مقدر، لكن استمرار العجز دون مكاشفة أو اعتذار، ودون وضع خطة عادلة تساوي بين الجميع في تحمل عبء الظلام، يفرغ أي جهد مخلص من معناه وقيمته الفعلية.

لقد نفد مخزون الصبر، وبات المواطن بحاجة ماسة إلى إجراءات فورية تعيد له شيئاً من الطمأنينة. نحن بحاجة إلى إفادات أسبوعية شفافة توضح حجم العجز وخطوات المعالجة، وإلى عدالة صارمة في التوزيع تلغي كافة الاستثناءات غير المبررة، فكل الناس سواسية أمام الظلام. يجب أن تكون هناك محاسبة حقيقية لأي تقصير، وخطة وطنية معلنة تنتشل القطاع من حالة الشلل التام. إن استمرار الوضع الراهن يعني الموافقة الضمنية على تحطيم ما تبقى من إرادة الحياة لدى السودانيين، وهو أمر يحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة شاملة.

بعد اخير:

خلاصة القول، التاريخ يُكتب بلا مجاملات، وذاكرة الشعوب لا تمحو تفاصيل معاناتها في أوقات الشدة. المناصب تزول، والمكاتب تُخلى، ولا يتبقى سوى الأثر الذي يتركه المرء في حياة الناس. إما أن تُسجلوا في دفتر هذا الوطن كجيل تحمّل المسؤولية بشجاعة وأنقذ البلاد من عتمتها، وإما أن تظلوا في الذاكرة كمن أطفأ ما تبقى من نور.

وأخيرًا، إن غياب الكهرباء قد يعطل آلات المصانع ويظلم الشوارع، لكن غياب العدالة والشفافية يطفئ روح الأمة بالكامل.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 24 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *