الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل يمكن للنهر الذي صنع حضارتنا وسقى سمارينا لآلاف السنين أن يتحول فجأة إلى مصدر للموت؟ هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً، بل صرخة حقيقية حملتها إليّ رسالة مقلقة من صديق طبيب بمدينة مروي الطبية، يستفسر فيها عن سر تحول مياه بحيرة النوبة في منطقة حلفا إلى اللون الأخضر، ونفوق كميات مخيفة من الأسماك على الشواطئ، وسط موجة من الشائعات التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن تسرب إشعاعي غامض بحسب مقال البروفيسور محمد صديق مدير الطاقة الذرية الأسبق بالسودان. هذه المخاوف المشروعة تدفعنا للتوقف طويلًا أمام ما يحدث في شريان حياتنا، فالمسألة تتجاوز مجرد تغير عابر في لون الماء، بل هي نذير خطر يهدد وجودنا البيئي والصحي في شمال السودان.
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوعي وشجاعة هي أن هذا التلوث الواسع ليس لغزاً قادماً من الفضاء، بل هو نتاج نشاط بشري جائر ومباشر يحدث على ضفاف النهر. هنا يتجلى الوجه المظلم للتعدين الأهلي عن الذهب، حيث تُستخدم كميات هائلة من المواد الكيميائية شديدة السمية لتنقية المعدن النفيس وتعديله. ومربط الفرس في هذا المشهد هو مادة “كبريتات الحديدوز” المستخدمة في ترسيب الذهب؛ فعندما تذوب هذه المادة بكميات ضخمة في الماء تمنحه ذلك اللون الأخضر الداكن الذي صدم الجميع، لتعلن بصرياً عن بداية كارثة بيئية حقيقية تتمدد في صمت تحت سطح البحيرة.
يقول بروف صديق، هذا المشهد يعيد إلى أذهاننا ذكريات قديمة من قلب البيئة السودانية، وتحديداً في مشروع الجزيرة حين كنا صغاراً ونشهد حظر الصيد في قنوات الري. آنذاك، كانت السلطات تستخدم كبريتات النحاس “الزرقاء” لمكافحة القواقع الناقلة للبلهارسيا، وكان الماء يتحول للون الأزرق وتطفو الأسماك الميتة على السطح كأثر جانبي لتلك السمية. اليوم، يتكرر السيناريو ذاته في الشمال ولكن بنسخة خضراء أكثر خطورة، لأن المواد لا تُلقى بدافع المكافحة الصحية، بل بدافع الجشع السريع عبر غسل ما يُعرف بـ “الكرتة” أو مخلفات التعدين، والتي تحتاج لتدفقات مائية هائلة لا يوفرها سوى النيل.
الخطر الحقيقي الذي يجب أن نرتعد منه لا يكمن في اللون الأخضر لكبريتات الحديدوز وحده، بل في بقية المكونات القاتلة التي تحويها “الكرتة” وتتسرب ببطء إلى جوف النهر. نحن نتحدث هنا عن الزئبق، ذلك المعدن الثقيل الذي يسبب الفشل الكلوي الحاد للمعدّنين أنفسهم، ويتحول إلى خلايا سرطانية على المدى البعيد. والأخطر أن الأسماك تمتص هذا الزئبق وتخزنه في أنسجتها بفعالية عالية عبر ما يُعرف علمياً بـ “التفخيم الحيوي”، مما يعني أن تناول هذه الأسماك مستقبلاً سيكون بمثابة تجرع سم بطيء، يضاف إليه خطر السيانيد القاتل الذي يختزل أنفاس الإنسان في دقائق معدودة.
أما الحديث الذي راج بكثافة حول الإشعاع الذري، فهو بريء من هذه الكارثة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وهي طمأنة تدعمها الفحوصات والمسوح الإشعاعية الدقيقة التي أجرتها سلطات الجمارك. علمياً، التعرض للإشعاع لا يغير لون الماء مطلقاً، بل يغير لون الزجاج من العنبري إلى الأسود إذا كان المصدر شديد القوة. ولنا في نهر “بريبيات” الأوكراني عبرة؛ فرغم تعرضه لأعلى مستويات تلوث إشعاعي في التاريخ بعد كارثة مفاعل تشيرنوبل عام 1986، لم يتغير لون مائه يوماً، وما زالت الأسماك تعيش وتتكاثر فيه حتى اليوم، مما يؤكد أن عدونا الحالي كيميائي بامتياز.
ما يمر به النيل اليوم هو ذات الطريق المظلم الذي عبرته أنهار أوروبا العجوز إبان نهضتها الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قبل أن تصحو على كوارث بيئية غيرت تشريعاتها. نتذكر جميعاً كارثة شركة “ساندوز” عام 1986 حين تسربت مبيدات وزئبق إلى نهر الراين فتحول لونه للأحمر ونفقت ملايين الأسماك، وكذلك نهر السين الفرنسي الذي حُظرت السباحة فيه منذ عام 1923 بسبب التلوث الصناعي. هذه التجارب الدولية القاسية تثبت لنا أن الأنهار العظيمة، برغم هيبتها، كائنات هشّة للغاية أمام العبث الكيميائي، وأن استعادتها تتطلب عقوداً من الزمن وأثماناً باهظة.
إنقاذ بحيرة النوبة وحماية أهلنا في الشمالية يتطلب فوراً مغادرة مربع المشاهدة وتفعيل قوانين حماية البيئة الصارمة، وتحديداً قانون البيئة السوداني لعام 2001 الذي يمتلك نصوصاً ممتازة تنتظر العزيمة لتطبيقها ومراقبتها. الحل العملي لا يكمن في منع التعدين، بل في تنظيمه عبر إنشاء وحدات متخصصة لتدوير “الكرتة” في مواقع العمل بعيداً عن مجرى النهر، واستخلاص الزئبق وإعادة تدويره بأمان بواسطة تقنيات حديثة وغير مكلفة. إنها معركة وعي وإدارة قبل أن تكون معركة إمكانيات، وحماية النيل هي واجب الساعة الذي لا يقبل التأجيل أو المساومة.
بعد اخير:
خلاصة القول، لقد حان الوقت ليدرك الجميع أن الذهب الذي نستخرجه من باطن الأرض سيفقد كل بريقه وقيمته إذا كان الثمن هو تدمير الشريان الوحيد الذي يهبنا الحياة ويزرع أرضنا. إن التغاضي عن غسل مخلفات التعدين على ضفاف النهر هو انتحار جماعي بطيء نرتكبه في حق أنفسنا وفي حق الأجيال القادمة التي لن تجد ماءً تشربه. نحن أمام لحظة فارقة تتطلب وقفة حاسمة من الدولة والمجتمع والمعدنين أنفسهم، فالنيل ليس مجرد مجرى مائي يمر بأرضنا، بل هو هويتنا ووجودنا الباقي الذي لا نملك غيره.
وأخيرًا، النيل لا يموت بالإشعاع، بل يقتله جشع الإنسان. وإذا لم ندرك بحيرة النوبة الآن، سنصحو يوماً على نهر يتدفق بالذهب، لكنه لا يروي ظمأ أحد.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 9 يونيو 2026م







