الخرطوم=^المندرة نيوز^
تعيش قرى ومناطق سودانية مطلة على نهر النيل حالة من القلق المتصاعد بعد رصد انتشار لافت للتماسيح بالقرب من التجمعات السكانية والأراضي الزراعية، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاطر البيئية التي تواجه السكان، بالتزامن مع تداعيات الحرب والأوضاع الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.تاريخ
وامتد ظهور التماسيح إلى عدد من المناطق الواقعة على ضفاف النيل، من الولاية الشمالية مرورًا بمدينة دنقلا، وصولًا إلى مناطق قريبة من العاصمة الخرطوم، بينها ضاحية الكلاكلة جنوب المدينة. ورغم أن وجود التماسيح في نهر النيل يُعد ظاهرة معروفة منذ أكثر من مئتي عام، فإن السكان يؤكدون أن كثافة ظهورها خلال الفترة الأخيرة باتت غير مسبوقة، ما زاد من المخاوف لدى المزارعين والأهالي الذين يعتمدون على النهر في أعمالهم اليومية وجلب المياه.
وتصاعدت المخاوف عقب حادثة مأساوية شهدتها جزيرة صاي شمال السودان، بعدما تعرض المزارع الشاب عمر محمد عبد الخالق لهجوم من تمساح أثناء وجوده على ضفة النيل. ووفق الروايات المتداولة، باغته التمساح وسحبه إلى داخل المياه أمام أنظار عدد من الأهالي، قبل أن يختفي به، رغم محاولات إنقاذه.
وأعادت الحادثة التذكير بحوادث مماثلة شهدتها جزيرة صاي خلال سنوات سابقة، إلى جانب رصد ظهور ثعابين الأصلة الجبلية العملاقة، ما عزز المخاوف بشأن تزايد أخطار الحياة البرية في المنطقة.
وفي تفسيره للظاهرة، قال خبير هندسة السدود محمد حافظ إن ما يحدث يعكس تداخل عوامل مناخية وبيئية، موضحًا أن انخفاض مناسيب المياه المرتبط بظاهرة “النينو” يمثل أحد الأسباب الرئيسية، إلى جانب تأثيرات تشغيل سد النهضة الإثيوبي، الذي وصفه بأنه أصبح المتحكم الرئيسي في تدفق المياه نحو السودان.
وأضاف أن وجود تنسيق بين السودان وإثيوبيا بشأن كميات المياه المنصرفة من السد خلال فترات الجفاف أو ظاهرة النينو كان من شأنه الحد من الآثار الحالية، معتبرًا أن التغيرات المناخية تؤثر بطبيعتها في الأوضاع البيئية، بينما قد يؤدي غياب التنسيق إلى مضاعفة حجم الأضرار.
وأشار حافظ، خلال مشاركته في بودكاست “السودان الآن بلاس” على DW عربية، إلى أن الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد تعرقل جهود معالجة هذه التحديات، لافتًا إلى الحاجة إلى تحرك أكبر لطرح القضية أمام الجهات الدولية القادرة على تقديم الدعم الفني والمساعدة.
ومن جانبه، أوضح الأستاذ بقسم الحياة البرية بكلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية بجامعة سنار، محمد المكي علي البدوي، أن اقتراب التماسيح من المناطق المأهولة لا يرتبط بزيادة عدوانيتها، وإنما يعود إلى تغيرات بيئية أثرت في موائلها الطبيعية.
وبيّن أن فقدان مناطق التشمس التقليدية نتيجة التوسع الزراعي، والضوضاء الصادرة عن مضخات المياه، إضافة إلى التذبذب المستمر في مناسيب النيل وتعكر المياه خلال موسم الخريف، كلها عوامل دفعت التماسيح إلى الاقتراب من الشواطئ.
وأضاف أن موسم التكاثر يمثل عاملًا آخر في زيادة ظهورها، إذ تضع الإناث البيض بين شهري مارس ومايو، بينما تخرج الصغار مع موسم الفيضان، ما يؤدي إلى انتشارها على مقربة من الضفاف.
وأكد البدوي أن الإنسان لا يمثل جزءًا من الغذاء الطبيعي للتماسيح، مشيرًا إلى أن أغلب الهجمات تقع أثناء دفاعها عن الأعشاش، أو نتيجة سوء التمييز داخل المياه العكرة، أو بسبب اعتيادها على مراقبة حركة الأشخاص الذين يترددون باستمرار على المواقع نفسها.
ودعا إلى اعتماد حلول علمية للحد من المخاطر، من بينها إنشاء نقاط آمنة لجلب المياه، ووضع لوحات تحذيرية في المناطق الخطرة، مع تجنب القضاء العشوائي على التماسيح حفاظًا على التوازن البيئي.
وفي السياق ذاته، أصدرت قوات حماية الحياة البرية التابعة للشرطة السودانية تحذيرات دعت فيها المواطنين إلى تجنب السباحة أو الاقتراب من ضفاف النيل خلال هذه الفترة، مؤكدة استمرار تنفيذ دوريات ميدانية لتأمين الشواطئ والجزر، إلى جانب تكثيف حملات التوعية حول سبل التعايش الآمن مع الحياة البرية.تاريخ
كما أشارت إلى أن التماسيح يمكن أن تمثل مستقبلًا موردًا اقتصاديًا من خلال مشروعات متخصصة لتربيتها واستثمارها، بما يحقق قيمة اقتصادية ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن البيئي.
وفي موازاة ذلك، أثارت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي جدلًا واسعًا، بعدما أظهرت أحد الأشخاص في ولاية نهر النيل وهو يقترب بشكل خطير من تمساح نيلي ضخم ويحاول لمسه، في مشهد وصفه كثيرون بالمغامرة غير المحسوبة.
وحذر مختصون في الحياة البرية من خطورة مثل هذه التصرفات، مؤكدين أن سكون التمساح لا يعني غياب الخطر، بل قد يكون جزءًا من سلوكه الطبيعي الذي يسبق الانقضاض السريع على الفريسة، داعين إلى عدم تقليد هذه الممارسات حفاظًا على الأرواح، خاصة مع تزايد ظهور التماسيح قرب القرى والمزارع خلال موسم الفيضان.







