الخرطوم=^المندرة نيوز^
تواجه مجمعات خدمات الجمهور في السودان مرحلة إعادة ترتيب واسعة، لا تقتصر على استعادة المرافق التي تعرضت للنهب والتخريب خلال الحرب، بل تمتد إلى معالجة ممارسات ظلت تمثل عائقًا أمام وصول المواطنين إلى الخدمات، وفي مقدمتها الرشوة والوساطة، بالتوازي مع توجه رسمي نحو توسيع الخدمات الإلكترونية.
وفي قلب هذا الملف، حذر مدير الإدارة العامة لمجمعات خدمات الجمهور، اللواء شرطة طارق الريح، من لجوء المواطنين إلى الرشاوى أو ما وصفها بـ«الحلول الملتوية» لإنجاز معاملاتهم، مؤكدًا أن الحصول على الخدمة حق للمواطن، ولا يفترض أن يكون مرتبطًا بوساطة أو دفع مبالغ خارج الإجراءات الرسمية.
ويرى الريح أن الرشوة والوساطة من أبرز العقبات التي تعرقل جهود تبسيط الخدمات، مشددًا على أن الأجهزة الشرطية قادرة على كشف التجاوزات وضبط المتورطين فيها. ويعكس هذا الموقف محاولة لإعادة العلاقة بين المواطن والمؤسسات الخدمية إلى مسار أكثر مباشرة، خصوصًا في ظل الظروف التي فرضتها الحرب على مؤسسات الدولة.
من قرار إنشاء المجمعات إلى تحديات الحرب
أنشئت مجمعات خدمات الجمهور بموجب القرار الوزاري رقم (286) الصادر في 11 مايو 2024، بهدف جمع عشر إدارات شرطية في مكان واحد، وتخفيف معاناة المواطنين الذين كانوا يضطرون إلى التنقل بين مؤسسات متعددة لاستخراج أو تجديد المستندات الرسمية.
لكن الحرب فرضت واقعًا مختلفًا؛ فقد تعرضت مجمعات خدمات الجمهور في ولاية الخرطوم للحرق والنهب، وطالت الأضرار بنيتها التحتية وأجهزتها التقنية، ما أدى إلى تعطيل جانب من الخدمات.
ورغم ذلك، تمكنت الإدارة من إعادة تأهيل عدد من المواقع واستئناف العمل تدريجيًا. واكتملت إعادة تشغيل مجمعي أم درمان وبحري، تمهيدًا لافتتاحهما رسميًا خلال الأيام المقبلة، بينما لا يزال مجمع الخرطوم يعمل بصورة جزئية إلى حين استكمال تشغيله.
ولا تقتصر عملية التأهيل على إعادة المباني والمعدات إلى الخدمة، إذ تعمل الإدارة على تهيئة البيئة اللوجستية لاستقبال إدارات الجوازات والسجل المدني والمرور والجمارك والحياة البرية والدفاع المدني، إلى جانب إنشاء غرفة مراقبة بالكاميرات لمتابعة الأعطال الفنية ومشكلات الشبكات والتعامل معها بصورة عاجلة.
ضغط متزايد على مجمع أم درمان
وتكشف أرقام المعاملات عن حجم الطلب على هذه المرافق، إذ ارتفع عدد المعاملات المنجزة في مجمع أم درمان من 362,206 معاملات خلال عام 2025 إلى 522,225 معاملة في 2026، عقب إعادة تأهيل مجمع بحري.
ويستقبل مجمع أم درمان يوميًا ما بين 7 آلاف و10 آلاف مراجع، فيما تتراوح فترة تسليم الجوازات بين 24 و48 ساعة.
وتضع هذه الأرقام المجمعات أمام تحدي استيعاب أعداد كبيرة من المراجعين، خصوصًا مع استمرار حاجة المواطنين إلى الوثائق الرسمية والخدمات المرتبطة بالسفر والإقامة وغيرها من المعاملات الأساسية.
التحول الرقمي كحل لتقليل الازدحام
في المقابل، تراهن الإدارة على التكنولوجيا لتقليل الضغط على المجمعات وإنهاء جزء من المعاناة المرتبطة بالحضور الشخصي.
وأعلن اللواء طارق الريح عن خطة لإعادة تشغيل وتأهيل جميع المجمعات إلكترونيًا خلال الربع الأخير من العام الحالي، بالتزامن مع التوسع في الخدمات الرقمية.
وبموجب هذا التوجه، سيتمكن المواطن من تقديم طلبه من المنزل عبر التطبيقات الذكية، مع إمكانية اختيار استلام الوثيقة عن طريق خدمة التوصيل السريع. ومن شأن تطبيق هذه الخطة أن يقلل أعداد المترددين على المجمعات، ويختصر الوقت والجهد، كما قد يحد من فرص الوساطة والتلاعب بالإجراءات من خلال نقل جزء أكبر من المعاملات إلى المنصات الإلكترونية.
امتيازات خاصة للمعلمين والصحفيين
وفي جانب آخر من عملية تنظيم الخدمات، كشف الريح عن قرار بإدراج المعلمين ضمن فئة «VIP» عند استخراج الأوراق الثبوتية، مع وجود اتجاه لإدراج الصحفيين ضمن الفئة ذاتها.
وبرر المسؤول هذه الخطوة بالتقدير للدور الذي يؤديه المعلمون، قائلًا إن «المعلم لم يقل دوره عن دورنا»، كما أشاد بالإعلاميين، معتبرًا أنهم «خاضوا معركة الكرامة بالكلمة التي هي كالسهم».
وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولة منح بعض الفئات معاملة تفضيلية أثناء الحصول على الوثائق، في وقت تعمل فيه المؤسسات الحكومية على استعادة قدراتها التشغيلية بعد الأضرار التي خلفتها الحرب.
التحدي الأكبر: استعادة الثقة
وبين إعادة تأهيل المنشآت، ورفع الطاقة الاستيعابية، والتحول الرقمي، ومكافحة الرشوة والوساطة، تبدو مجمعات خدمات الجمهور أمام مهمة تتجاوز مجرد استعادة العمل بعد الحرب.
فنجاح التجربة لا يرتبط فقط بفتح المجمعات أو زيادة عدد المعاملات، وإنما بقدرة الإدارة على ضمان وصول المواطن إلى الخدمة بصورة عادلة وسريعة، وحماية الإجراءات من الاستغلال، وتوفير بنية تقنية قادرة على تحمل حجم الطلب المتزايد.
وفي هذا السياق، شدد الريح على أن المواطن لا يحتاج إلى وسيط للحصول على الخدمة، معتبرًا أن اللجوء إلى الرشوة خطأ، وأن الحل يبدأ من معرفة المواطن بحقه في الحصول على الخدمة مباشرة.
ومع اقتراب تنفيذ خطة التحول الإلكتروني، ستواجه الإدارة اختبارًا مزدوجًا: الحفاظ على الخدمات الحضورية للفئات التي تحتاج إليها، وفي الوقت نفسه بناء منظومة رقمية تقلل الازدحام وتغلق مساحات التلاعب. وبينما تشير أرقام المعاملات إلى طلب مرتفع على خدمات الجمهور، فإن استدامة التحسين ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسات على استعادة بنيتها التحتية، وتطوير كوادرها، وترسيخ مبدأ الخدمة العامة بعيدًا عن الوساطة والرشوة.







