المندرة نيوز

د. عبدالعزيز الزبير باشا يكتب.. ثلاثة أعوام على حرب الكرامة الوجودية: حين تختبر الدولة نفسها

الخرطوم=^المندرة نيوز^
في الخامس عشر من أبريل، لا يستعيد السودان ذكرى زمنية بقدر ما يواجه مرآةً صادقة لذاته. ثلاثة أعوام مرّت منذ لحظة الانفجار، منذ أن تحوّل الخلاف إلى مواجهة، والمواجهة إلى اختبارٍ وجودي: هل السودان دولة قادرة على حماية نفسها، أم مجرد ساحة مفتوحة لكل من يملك بندقية ومشروعًا عابرًا للحدود؟

ليست كل الحروب متشابهة. هناك حروب تُخاض لتعديل موازين، وأخرى تُخاض لمنع الانهيار الكامل. وما جرى في السودان منذ ذلك اليوم لم يكن نزاعًا على السلطة بقدر ما كان صراعًا على تعريف الدولة نفسها: من يحتكر القوة، ومن يملك الشرعية، ومن يكتب مستقبل البلاد.

في الساعات الأولى، حين كان المشهد مرتبكًا والضباب كثيفًا، سُطّرت واحدة من أنقى صفحات التضحية: الحرس الرئاسي، خمسةٌ وثلاثون رجلًا وقائدهم، ثبتوا حتى الرمق الأخير. لم يكونوا يدافعون عن موقعٍ أو مبنى، بل عن فكرة: أن رأس الدولة ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، وأن سقوط الرمز في اللحظة الأولى يعني فتح الباب لفوضى بلا سقف. هؤلاء لم يغيّروا مسار المعركة عسكرياً فقط، بل أعادوا تعريفها أخلاقياً.

ومن هناك، بدأت القصة الحقيقية.

القوات المسلحة لم تخض الحرب وحدها، ولم يكن ذلك خياراً ترفيهياً. في لحظة فارقة، قررت الحركات المسلحة والقوى النظامية أن تؤجل خلافاتها، أن تضع الحسابات جانباً، وأن تقرأ المشهد كما هو: إما دولة تتماسك، أو فراغ يبتلع الجميع دون استثناء. هذه ليست وحدةً مثالية، لكنها وحدة الضرورة، وهي في تاريخ الدول غالباً ما تكون أكثر صلابة من التحالفات المصطنعة.

أما سياسياً، فالمشهد كان أكثر تعقيدًا. في عالمٍ لا يعترف إلا بمن يفرض نفسه، لم يكن كافيًا أن تكون القضية عادلة؛ كان لا بد أن تُقدَّم بذكاء. وهنا برز دور عبد الفتاح البرهان، ليس كقائد عسكري فحسب، بل كفاعل سياسي يدرك أن المعركة تُخاض على أكثر من جبهة.

من الاتحاد الإفريقي، حيث تُختبر شرعية الأنظمة داخل الإقليم، إلى قاعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تُصاغ الروايات وتُمنح الاعترافات، تحرّك الرجل ضمن هامش ضيق، لكنه استثمره ببراغماتية واضحة. لم يكن الهدف كسب التصفيق، بل كسب المساحة: مساحة للتحرك، مساحة للصمود، ومساحة لإعادة تقديم السودان كدولة تقاتل من أجل بقائها، لا كأزمة تُدار عن بُعد.

دعنا نكون صريحين: المجتمع الدولي لا يمنح دعمه مجانًا، ولا يقدّم اعترافه بدافع الأخلاق. ما حدث هو أن السودان، تحت هذا الضغط، نجح في فرض نفسه كرقم لا يمكن تجاوزه. وهذا بحد ذاته إنجاز في عالمٍ يفضّل الحلول السريعة حتى لو كانت على حساب الدول.

*لكن العامل الحاسم لم يكن في الخارج، أنما في الداخل.*

نادراً ما يجتمع السودانيون على قلب رجلٍ واحد. هذه ليست مجاملة، بل حقيقة تاريخية. ومع ذلك، خلال هذه السنوات الثلاث، تشكّل ما يشبه الإجماع الشعبي حول فكرة الدولة، وتمظهر هذا الإجماع في دعم واضح للقيادة، رغم كل الضغوط والتحديات. هذه ليست مسألة كاريزما، بل مسألة إدراك جماعي بأن البديل أسوأ بكثير.

وهنا تحديدًا، تبرز الجملة التي لا تحتمل المجاملة ولا المواربة:
*يا ريس، خذ الكتاب بقوة.*

ليس لأنها عبارة حماسية، بل لأنها خلاصة لحظة سياسية نادرة. حين تتقاطع الشرعية الشعبية مع الضرورة العسكرية، وتتوافر مساحة إقليمية ودولية للحركة، فإن التردد لا يُحسب حكمة، بل كلفة.

التاريخ لا ينتظر المترددين.
والدول لا تُبنى بأنصاف القرارات.

بعد ثلاثة أعوام، لم يعد السؤال: من على حق؟
بل: من يملك القدرة على إنهاء هذه المرحلة وفرض شكل الدولة القادمة؟

السودان دفع ثمنًا باهظًا، دمًا وتهجيرًا وموارد. لكن في المقابل، أعاد اكتشاف نفسه: اكتشف أن لديه ما يكفي من الصلابة ليصمد، وما يكفي من الوعي ليميّز بين الدولة ونقيضها.

المعركة لم تنتهِ بعد، لكن اتجاهها أصبح أوضح.
وما بين تضحيات الميدان، وحسابات السياسة، وصبر الناس… تتشكل ملامح سودانٍ جديد.

سودان لا يطلب الإذن ليبقى.

*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولاً و أخيراً….*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*15/04/2026*

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *