المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب: ماذا بعد مؤتمر وزراء الصحة (2)

الخرطوم=^المندرة نيوز^
جدران بلا نبض.. من يحرس صحة الناس بعد رحيل خبراء الصحة؟

لا قيمة لأحدث الأجهزة الطبية إذا غابت اليد الخبيرة التي تديرها، ولا معنى لمبانٍ شاهقة إذا خلت من نبض الكوادر التي تمنحها الحياة.

هذه هي الحقيقة العارية التي طفت على السطح بقوة خلال جلسات ملتقى وزراء الصحة، لتضع أيدينا على الجرح الأعمق في جسد النظام الصحي السوداني: أزمة الموارد البشرية.

أثناء سنوات الحرب، وتحت شعار “رغم الحاصل لازم نواصل”، استمر الأطباء والمهن الطبية والصحية في العمل بأجر بالكاد يذكر، وفي بيئات تفتقر لأبسط مقومات الأمان.

لكن الملتقى كشف عن رقم يبعث على القلق العميق؛ أكثر من خمسة عشر ألف شهادة امتياز تم إصدارها خلال فترة الحرب. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية إدارية، بل هو مؤشر صامت على أكبر موجة هجرة للعقول والكفاءات الطبية المدربة التي ضاق بها الحال، فبحثت عن النجاة والتقدير خارج الحدود.

هذا النزيف البشري يمثل أسوأ ما أفرزته الأزمة، فبناء مستشفى قد يستغرق أشهراً بأموال المانحين، لكن صناعة طبيب او خبير أخصائي تتطلب عقوداً من الزمن.

لذلك، لم يكن مفاجئاً أن تتصدر قضية “استبقاء الكوادر” نقاشات الملتقى، وأن يطرح وزير الصحة الاتحادي مقترحاً بأن يكون العام 2027 عاماً للموارد البشرية.

الفكرة هنا تتجاوز مجرد تحسين الرواتب؛ إنها محاولة يائسة وجادة لإعادة الاعتبار لمن تبقى من هذا الجيش الأبيض، عبر توفير بيئة عمل لائقة، وعلاوات مجزية، وحماية أمنية، خاصة في المناطق الطرفية والولايات المتأثرة بالنزوح.

لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على التدخلات الإنسانية والمنظمات الدولية، رغم حيويته في فترات الطوارئ، يظل حلاً مؤقتاً لا يبني نظاماً صحياً مستداماً.

في دارفور وغيرها من الولايات المأزومة، كانت المنظمات بمثابة الذراع التي تسند النظام، لكن استعادة العافية تتطلب توطيناً للكوادر وتدريباً مستمراً ودمجاً ذكياً للكوادر النازحة لخدمة المجتمعات المضيفة.

بعد اخير :
خلاصة القول، إن التزام الدولة، كما جاء على لسان قياداتها، بدعم استبقاء الكوادر، يجب أن يُترجم فوراً إلى قرارات مالية وإدارية نافذة. لا يمكننا أن نتحدث عن نهضة صحية أو أمن قومي بينما يقف الطبيب او الكادر الصحي عاجزاً عن توفير قوت يومه، أو باحثاً عن فرصة للهجرة هرباً من واقع محبط.

وأخيرًا، المعادلة بسيطة وصارمة في آن واحد؛ النظام الصحي هو البشر قبل الحجر، والمستشفيات التي تفرط في عقول أبنائها، ستتحول عاجلاً أم آجلاً إلى مجرد هياكل إسمنتية باردة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 4 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *