الخرطوم=^المندرة نيوز^
بين نار الغضب وعقل الدولة: هل يقود التصعيد إلى الخلاص أم إلى الهاوية؟
وسيظل الجيش السوداني خير اجناد الأرض
وعلى حد قولي:
إذا اشتدّت الريح في وجه السفينة وانحنى الشراع
فالعاقل من يُمسك الدفّة لا من يُشعل الصراع
فكم من حربٍ بدأت بشرارةٍ من انفعال
وانتهت بأوطانٍ تندب ضياعها في الضياع
في خضم التوترات المتصاعدة، ومع تزايد الحديث عن استهداف منشآت حيوية داخل الخرطوم، تعلو نبرة الغضب الشعبي، ويتنامى سؤال حاد
ماذا لو تم إعلان إثيوبيا دولة عدوان؟
وهل ضرب منشآتها الاستراتيجية كافي؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى تعبيراً عن حق مشروع في الدفاع، لكنه في عمقه يفتح أبواباً معقدة لا يمكن إغلاقها بسهولة.
إن منطق الردع مفهوم، بل ومطلوب في ظل التهديدات، لكن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الواسع يحمل في طياته مخاطر تتجاوز حدود اللحظة. فاستهداف منشأة بحجم سد النهضة ليس مجرد عملية عسكرية، بل مقامرة بمصير إقليم كامل. أي خلل في هذا السد قد يؤدي إلى تدفقات مائية كارثية، تُغرق مناطق واسعة، وتدفع ثمنها شعوب لا علاقة لها بالقرار السياسي أو العسكري.
ثم إن الحرب، حين تُفتح أبوابها، لا تسأل عن النوايا بل عن النتائج. فإعلان دولة عدوان يعني عملياً الدخول في مواجهة مفتوحة، قد تستدعي ردوداً أقسى، وتوسّع دائرة الصراع. السودان، الذي يواجه تحديات داخلية معقدة، قد يجد نفسه في مواجهة جبهة خارجية تستنزف ما تبقى من موارده وقدراته، وتُثقل كاهل اقتصاده المنهك.
ولا تقف الخسائر عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى السياسة الدولية. فاستهداف بنى تحتية مدنية، مثل المطارات أو المنشآت الحيوية، قد يضع السودان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويعرّضه لعقوبات أو ضغوط سياسية واقتصادية قد تمكن المليشيا المُتمردة من النهوض ثانية بعد أن انكسرة شوكتها. وفي عالم تحكمه المصالح والتحالفات، لذلك خيار الحل الدبلوماسي هو الارجح فإن خسارة الغطاء الدولي قد تكون أكثر كلفة من أي معركة ميدانية.
من زاوية أخرى، فإن التصعيد العسكري لا يُنتج بالضرورة استقراراً، بل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية. فإثيوبيا ليست دولة معزولة، بل لاعب إقليمي له امتداداته وتحالفاته مع الإمارات والكيان الصهيوني وهم من يدفعوه لخانة اللعب في اي جبهه قتالية، وأي مواجهة معها قد تتحول إلى صراع متعدد الأطراف وظهور حليف اخر، تتداخل فيه الأجندات، وتضيع فيه الأولويات الوطنية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حق الدولة في حماية سيادتها وأمنها. لكن هذا الحق لا يُمارس فقط عبر فوهة البندقية بل بالسياسة وبالدبلوماسية، وأيضاً عبر بناء منظومة دفاعية قوية، وتطوير القدرات التقنية لمواجهة التهديدات الحديثة، خاصة المسيرات التي أصبحت أداة رئيسية في الحروب المعاصرة. كما أن العمل الاستخباراتي الفعال باخراج كل من به شبه خارج الدائرة الأمانة، والتنسيق بين الأجهزة والقوات المساندة وتفعيل دور استخباراتها المضادة، يمكن أن يحقق نتائج حاسمة دون الانزلاق في حرب شاملة.
وفي ذات السياق، يظل المسار الدبلوماسي أداة لا غنى عنها. فإثبات أي اعتداء، وتقديمه عبر القنوات الدولية، قد يفتح الباب أمام دعم سياسي وقانوني، ويُحرج الطرف المعتدي، ويحد من قدرته على التمادي. فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل أيضاً في مراكز القرار الدولي.
أما داخلياً، فإن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية يُعد أولوية قصوى. فالشعوب التي تواجه التحديات بعقلانية وتماسك، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات. وهنا يبرز دور الإعلام، والنخب، في توجيه الخطاب نحو الوعي لا الانفعال، ونحو البناء لا الهدم.
إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق ولا نشك في جنود جيشنا العظيم وقدراتهم القتالية وحبهم للفداء وتقديم أرواحهم رخيصة من أجل الوطن: طريق يقوده الغضب إلى قرارات متسرعة، قد تُكلفه الكثير، وطريق آخر يُدار فيه الصراع بعقل الدولة، حيث تُوزن الخطوات بميزان المصالح لا المشاعر. وبين هذين الطريقين، تتحدد ملامح المستقبل.
فليس كل ما يُغضب يُواجه بالقوة، وليس كل قوة تُستخدم في وقتها المناسب. الحكمة هنا ليست ضعفاً، بل أعلى درجات القوة، لأنها تُبقي الوطن واقفاً، لا منتصراً في معركة وخاسراً في حرب.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الحقيقي
هل نبحث عن انتصار لحظي؟
أم عن استقرار دائم؟
الإجابة ليست في ساحة القتال فقط، بل في عمق الرؤية التي تقود القرار.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة.







