المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب:سقوط “البدلة الشاملة”.. حين تتخلى الشرطة عن هيبة العسكرة لصالح كفاءة الخدمة ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
كثيراً ما نعتقد أن تجميع الأشياء في سلة واحدة يمنحنا القوة، بينما في الواقع، قد يمنحنا فقط فوضى أثقل وزناً. لسنوات طويلة، عاش المواطن السوداني يراقب بدلة عسكرية واحدة تتولى كل شيء؛ تلاحق الجريمة، وتطفئ الحرائق، وتحرس الغابات، وتجبي الضرائب على الحدود، وتدير السجون. مشهد يبدو في ظاهره متماسكاً وصارماً، لكنه في عمقه كان يخفي خللاً هيكلياً دفع ثمنه الجميع، من كفاءة المؤسسة إلى خدمة المواطن.

لفهم جذور هذه الحالة، علينا العودة إلى الوراء قليلاً، تحديداً إلى قرارات العام 1992. حينها، وبدافع من هواجس أمنية وسياسية محضة، قررت حكومة الإنقاذ دمج إدارات السجون، والدفاع المدني، والحياة البرية، بل وحتى الجمارك التي كانت تتبع لوزارة المالية، في كيان واحد سُمي “الشرطة الموحدة”. تمت هذه الخطوة بجرة قلم، متجاوزة كل تجارب الإدارة الحديثة في العالم، ومحولة إدارات فنية ومدنية متخصصة إلى مجرد أذرع تابعة لمدير عام قوات الشرطة. كان الهدف المعلن هو فرض “هيبة الدولة”، لكن النتيجة الفعلية كانت خنق الاستقلالية المالية والإدارية والفنية لهذه القطاعات الحيوية.

اليوم، وبفضل الإضاءات العميقة التي قدمها الخبير الجمركي ووزير الداخلية السابق، الفريق شرطة خليل باشا سايرين، تتكشف لنا رحلة طويلة من محاولات التقييم والتصحيح. فمنذ ورقة عمل في عام 1995، مروراً بتقييم شامل في 2002 أثبت عدم وجود دمج حقيقي على أرض الواقع، وصولاً إلى مخرجات الحوار الوطني في 2016، كانت كل لجان الخبراء تهمس، ثم تصرخ بحقيقة واحدة: لا بد من فك هذا الارتباط. الجمارك تحتاج إلى مرونة مالية، والدفاع المدني يتطلب سرعة حركة محلية، والسجون مؤسسات للإصلاح لا للضبط العسكري البحت.

اللحظة الفاصلة جاءت عبر قرار مجلس السيادة رقم 490 لسنة 2022، الذي ألغى قرارات الدمج القديمة، وأعاد الوحدات الأربع (السجون، الجمارك، الدفاع المدني، الحياة البرية) لتصبح قوات نظامية مستقلة تتبع مباشرة لإشراف وزير الداخلية، وهو ما يتسق مع التجارب العالمية في مصر وتركيا وماليزيا وغيرها. والمثير للاهتمام حقاً، أنه ورغم ظروف الحرب القاسية، استمرت وزارة الداخلية في إنفاذ هذا القرار تباعاً بين عامي 2023 و2025، عبر هياكل تنظيمية جديدة وتعديلات دستورية شجاعة، لإنهاء حقبة من المركزية الإدارية القابضة.

لكن، ونحن ننتقل من التنظير إلى الواقع، يبرز سؤال حيوي يعيدنا إلى الشارع السوادني: هل تكفي إعادة الهيكلة داخل أسوار وزارة الداخلية؟ بعض الأصوات المهنية العميقة ترى أننا إذا أردنا الإصلاح الحقيقي، فيجب أن نذهب إلى نهاية الشوط. لماذا لا تُنزع كلمة “شرطة” من رتب ضباط هذه الوحدات المتخصصة ليصبح المسمى “عميد سجون” أو “مقدم جمارك”؟ ولماذا لا تعود الجمارك بالكامل إلى حضن وزارة المالية، وتذهب الحياة البرية إلى السياحة، والدفاع المدني إلى الولايات؟ إن هوس “عسكرة الخدمات” بحثاً عن الهيبة لا يصنع مؤسسات قوية، بل يغرق الكفاءات المهنية في جدل عقيم حول الأقدميات ومنصات القيادة، ويبعدهم عن مهامهم الأساسية.

المواطن البسيط، الذي يقف أمام منزله المحترق، لا يعنيه إطلاقاً ما إذا كان قائد فريق الإطفاء يتبع للمدير العام للشرطة أم لوزير الداخلية، كل ما يعنيه هو أن تصل سيارة الإطفاء في الوقت المناسب وأن تكون محملة بالماء. والمسافر عبر المطار لا يكترث للون الكتافات التي يحملها ضابط الجمارك، بل يهمه انسياب الإجراءات بشفافية وسرعة. الهندسة الإدارية على الورق ممتازة، وتصحيح أخطاء الماضي خطوة تحسب لصناع القرار، لكن هذا كله يظل هيكلاً بلا روح إذا لم ينعكس على جودة الخدمة اليومية.

بعد اخير:

خلاصة القول، نحن الآن أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور المؤسسات النظامية، ليس بناءً على من يمتلك سلطة أكبر، بل على من يقدم خدمة أفضل. إرجاع الحقوق الإدارية لأهل الاختصاص هو بداية الطريق السليم، لكنه ليس نهايته.

وأخيرًا، لقد نجحنا أخيراً في فك اشتباك البدلة العسكرية وفصل صلاحياتها، لكن الاختبار الحقيقي ليس فيمن يرتدي هذا الزي.. بل فيمن يجد الحماية تحته.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 14 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *