الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل فكرت يوماً في اللحظة التي يقرر فيها المشرط الجراحي أن يستأصل ثمانين بالمائة من جسد المريض بحجة تخفيف الوزن؟ هذا التساؤل ليس مشهداً طبياً عبثياً، بل هو المقاربة الأقرب لما يجري الآن في أروقة الخدمة المدنية. في منتصف أبريل من هذا العام، استيقظ الشارع السوداني على صدى القرار الوزاري رقم 22، الذي يقضي بتشكيل لجنة فنية رفيعة لدراسة أوضاع العاملين بالحكومة الاتحادية، بهدف الإبقاء على عشرين بالمائة فقط لتسيير الأعمال. القرار الذي جاء بتوجيهات مباشرة من رئاسة مجلس الوزراء، وضع مصير آلاف الأسر على المحك، ليطرح تساؤلاً جوهرياً حول التوقيت والدوافع والمنهجية.
من الناحية النظرية، تبدو فكرة ردف الولايات بالصلاحيات وتقليص الظل الإداري للمركز الاتحادي خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن المرجعية العلمية لنسبة العشرين بالمائة تظل غائبة وسط ضبابية المشهد، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأرقام نتاج دراسة هيكلية عميقة أم مجرد استجابة لضغوط الموازنة العامة. اللجنة التي يترأسها وزير الدولة بالمالية وتضم قادة الموارد البشرية وديوان شؤون الخدمة، مُنحت سلطات واسعة لحصر العاملين وفرز من لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر. غير أن الإدارة بالأرقام الصماء في بلد يسعى للتعافي، قد تتجاهل حقيقة أن مؤسسات الدولة ليست مجرد هياكل بل أفراد يمتلكون تراكمات معرفية.
لم يتأخر رد الفعل المجتمعي طويلاً، حيث التقطت العدد من الأجسام المهنية والنقابية القفاز وأعلنت رفضها القاطع للخطوة. المنطق هنا يتجاوز مجرد المعارضة السياسية؛ إنه صرخة تعكس مخاوف مشروعة من أن يتحول شعار “الإصلاح الإداري” إلى غطاء ناعم لسياسات الفصل التعسفي والتشريد. في واقعنا اليومي، الموظف الحكومي ليس مجرد رقم في دفتر الرواتب، بل هو عصب الحياة لأسرة ممتدة، وأي مساس بلقمة عيشه يخلق ارتدادات اجتماعية واقتصادية لا يمكن احتواؤها بسهولة. إن تفكيك الأزمات يتطلب النظر إلى ما وراء القرارات الإدارية، وإدراك العلاقة الخفية بين الاستقرار الوظيفي والسلم المجتمعي في مراحل الانتقال.
التجارب الدولية في مرحلة ما بعد النزاعات أو التحولات الكبرى تقدم لنا دروساً مجانية لا يجوز تجاهلها. الدول التي نجحت في إعادة هيكلة قطاعها العام، مثل رواندا أو بعض دول أوروبا الشرقية، لم تلجأ إلى بتر القوة العاملة بجرة قلم. بدلاً من ذلك، اعتمدت استراتيجيات إعادة التأهيل وإعادة التوزيع المدروس. الخطر الأكبر في التطبيق الحرفي لهذا القرار يكمن في فقدان “الذاكرة المؤسسية” للدولة. هؤلاء الخبراء والموظفون يحملون في عقولهم أرشيفاً حياً من آليات العمل وتجارب الإدارة، وتفريغ المؤسسات الاتحادية منهم فجأة يعني البدء من الصفر لبناء ما تدمر.
التصحيح الفعال لمسار هذا القرار لا يتطلب التراجع عنه بالضرورة، بل يستوجب إعادة توجيه بوصلته نحو الاستثمار الأمثل للمورد البشري. بدلاً من الإحالة للمعاش المبكر أو التسريح، لماذا لا يتم تحويل هذا الفائض الاتحادي إلى دعم مباشر للولايات؟ الحكم اللامركزي الحقيقي يعاني من شح الكوادر المؤهلة في الأطراف، ونقل هذه الخبرات الوطنية عبر حوافز تشجيعية إلى المستوى الولائي سيحقق هدفين في آن واحد: تخفيف العبء عن المركز، ورفع كفاءة الأداء في الولايات. هكذا يتحول الموظف من عبء مالي في الخرطوم إلى محرك للتنمية وإعادة الإعمار في أطراف السودان.
نحن نقف الآن أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتصادم الرغبة المحمومة في ضبط الإنفاق الحكومي مع الحاجة الماسة للحفاظ على التماسك الاجتماعي وبناء قدرات الدولة. الاقتصاد ليس مجرد حسابات ربح وخسارة، والإدارة ليست مجرد قرارات تُتخذ في غرف مغلقة لتُطبق على واقع ينزف أصلاً. إن نجاح أي عملية إصلاح هيكلي يعتمد بشكل أساسي على مدى إدماج العنصر البشري كشريك في التغيير وليس كضحية له. عندما ترتفع وتيرة التوتر الفكري حول مصير الآلاف، يجب أن تتسع الرؤية لتدرك أن إعادة إعمار الأوطان تتطلب استقراراً نفسياً ووظيفياً متيناً.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن الدولة التي تسعى للنهوض من تحت الركام تحتاج إلى عقول أبنائها وخبراتهم المتراكمة بنفس القدر الذي تحتاج فيه إلى الموارد المالية والتخطيط الاستراتيجي. تقليم أظافر البيروقراطية المترهلة هو أمر مطلوب وضروري بلا شك، ولكن التسرع في التخلص من المورد البشري تحت ضغط اللحظة يمثل خطراً استراتيجياً يهدد أسس التعافي.
وأخيرًا، الإصلاح الحقيقي الشامل لا يمر أبداً عبر بوابة تشريد الكفاءات وقطع الأرزاق. الدولة العميقة بمعناها الإيجابي تُبنى بالبشر لا بالقرارات؛ يمكنكم هيكلة الوزارات كما تشاؤون، لكن تذكروا دائماً: الأوطان لا تُعاد هندستها بأيادٍ ترتجف خوفاً من الإقالة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 18 مايو 2026م







