الخرطوم=^المندرة نيوز^
صدرت محكمة جرائم المعلوماتية، حكمًا بالسجن لمدة عام بحق الصحفية رشان أوشي، مع تغريمها مبلغًا ماليًا كبيرًا، على خلفية بلاغ يتعلق بإشانة السمعة والتشهير عبر منشور على منصة فيسبوك، استند إلى اتهامات وُجهت لأحد العاملين في السلك الدبلوماسي، بشأن شبهات فساد مالي، وهو ما دفعه إلى اللجوء للقضاء وفتح بلاغ، انتهى إلى هذا الحكم.
أثار الحكم القضائي ردود فعل واسعة في الأوساط الصحفية والإعلامية، فبين من يعدّ اللجوء إلى القضاء مسارًا طبيعيًا لحماية السمعة والحقوق، ومن يرى أن العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتدوين قد تمثل توسعًا في منطق الردع بما ينعكس على حرية التعبير ، يتسع الجدل ليجاوز حدود القضية الفردية إلى طبيعة العلاقة بين الصحافة والقانون والسياسة.
ومن حيث المبدأ، فإن حق التقاضي يظل ركيزة أساسية في أي نظام قانوني، ولا خلاف على ذلك فمن يتضرر من نشر أو اتهام يملك كامل الحق في اللجوء إلى القضاء طلبًا للإنصاف. فالدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق الفوضى، كما أن حماية السمعة الشخصية ليست مسألة ثانوية في القانون، بل هي جزء من حماية الاستقرار الاجتماعي والحقوق الفردية.
غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عند طبيعة العقوبة وحدودها، وعند الفلسفة التي تحكم قوانين النشر والمعلوماتية في السودان. فالعقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير والصحافة ظلت محل جدل واسع عالميًا، ليس لأن الصحفي فوق القانون، وإنما لأن وظيفة الصحافة بطبيعتها تقوم على الاقتراب من مناطق النفوذ والفساد والسلطة، وهي مناطق محفوفة دومًا بالمخاطر القانونية والسياسية. ولذلك فإن أي توسع في استخدام الحبس ضد الصحفيين يثير مخاوف مشروعة من تحول القانون من أداة لحماية الحقوق إلى أداة لإنتاج الخوف والابتذال والابتزاز داخل الوسط الإعلامي.
في السودان تبدو القضية معقدة، لأن رشان أوشي ليست مجرد صحفية عادية في نظر قطاع واسع من الرأي العام، بل ارتبط اسمها خلال الحرب بخطاب تعبوي منحاز للجيش السوداني في مواجهة مليشيا الدعم السريع، ما جعل صورتها لدى حلفاء “معركة الكرامة” تتجاوز المهنية الصحفية إلى أيقونة سياسية ووطنية. ولهذا السبب، فإن كثيرًا من ردود الفعل لم تُقرأ الحكم من زاوية قانونية، وإنما من زاوية الوفاء السياسي والأخلاقي لشخصية اعتُبرت جزءًا من جبهة الإسناد المعنوي خلال الحرب.
وفي هذا السياق، تتجه الانظار الي دور واضح للاتحاد العام للصحفيين السودانيين في هذه القضية ، بالإشارة إلى “الجودية” بوصفها تقليدًا سودانيًا أصيلاً ظل تاريخيًا يؤدي وظيفة احتواء النزاعات قبل أن تبلغ عتبة السجون. وقد ترسخت داخل الوسط الصحفي ثقافة التضامن المهني المجرد ، دون النظر إلى الخلافات السياسية والفكرية، ذلك انطلاقا من إدراك حساسية العلاقة بين حرية التعبير ومخاطر الملاحقة. وهو تضامن أخلاقي لا يرمي إلى تبرئة الخطأ بقدر ما يحمي حق الكلمة، ويحول دون تحوّل العقوبة إلى أداة لكسر الإرادة أو تقييد حرية الصحافة.
ومع ذلك، فإن التجربة السودانية نفسها تقول إن السجون نادرًا ما نجحت في إخماد الأصوات المثيرة للجدل، بل كثيرًا ما منحت أصحابها حضورًا أكبر وتأثير أكثر فاعلية. فالتاريخ السياسي والإعلامي في السودان مليء بأسماء معروفة خرجت من المحن والابتلاءات أكثر تأثيرًا وانتشارًا، لأن المجتمعات في لحظات الاستقطاب الحاد تميل إلى صناعة الرموز بقدر ما تميل إلى صناعة الخصومات، ومن زاوية أوسع، تظل قضية الزميلة أوشي مدخلًا لإعادة التفكير في التوازن الدقيق بين هيبة القانون وحكمة العفو.
لذلك تتطلب المقاربة التمييز بين جرائم الحرب والانتهاكات بحق المدنيين وبين قضايا التعبير والنشر، فلا يصح الخلط بينها في العدالة الانتقالية، غير أن الإشكال يتجاوز البعد القانوني إلى سؤال أخلاقي وسياسي حول طبيعة المناخ الذي يُراد للسودان بعد الحرب: هل يقوم على التوازن بين المساءلة والعفو أم على التشدد. وتؤكد تجارب ما بعد النزاعات أن الاستقرار لا يتحقق بالقانون وحده، بل بالحكمة التي تعيد بناء الثقة وتخفف الاحتقان، بما يجعل قوة الدولة في الجمع بين إنفاذ القانون و المعالجة الإنسانية دون الإخلال بالعدالة، فإن الدعوة إلى مقاربة متوازنة ليست اصطفافًا، بل حرص على صون التوازن بين صرامة العدالة وإنسانية المعالجة.
ختامًا فإن المجتمعات، كما تؤكد #وجه_الحقيقة، لا تُشيَّد على الردع وحده، ولا تُدار بالتسامح المطلق، بل تقوم على توازن بين صرامة العدالة وروح الإصلاح والعفو عند المقدرة. وفي التجربة السودانية، يظل إرث “الجودية” وقيم العفو أحد أهم صمامات الأمان الاجتماعية في احتواء النزاعات. ومن ثم، فإن الدعوات القانونية أو الإنسانية الرامية إلى الاستئناف أو التخفيف لا تنتقص من هيبة القضاء، بل تعبّر عن حاجة اجتماعية أصيلة لإدخال الحكمة في تطبيق العدالة، بحيث يظل القانون حاسمًا في منطقه، بينما تبقى الرحمة حاضرة في ضمير المجتمع وصاحب الدعوى.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 20 مايو 2026 م
#رشان_أوشي
#هيبة_القانون
#حكمة_العفو
#حرية_التعبير
#الصحافة_السودانية
#العدالة_والعفو
#الجودية
#حرية_الصحافة
#الاتحاد_العام_للصحفيين_السودانيين
#إبراهيم_شقلاوي






