المندرة نيوز

وجه الحقيقة_ إبراهيم شقلاوي يكتب: الصندوق العربي.. واقتصاد الدولة

الخرطوم=^المندرة نيوز^
تحمل عودة السودان إلى طاولة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، دلالة مهمة تتعلق بمستقبل البلاد وقدرتها على إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية بعد الحرب. فقد بحث وزير المالية ، د. جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان أ. آمنة ميرغني، مع المدير العام ورئيس مجلس إدارة الصندوق، د. فوزي يوسف الحنيف، سبل معالجة الالتزامات القائمة وتهيئة الظروف لاستئناف التمويل التنموي، بما يوكد أن السودان بدأ مرحلة جديدة بمنطق إعادة البناء وخلق الفرص للاقتصاد.

وتكتسب هذه الخطوة وزنها من التاريخ الممتد للصندوق في السودان. فقد كان شريكاً رئيسياً في تمويل مشروعات استراتيجية شكّلت جزءاً من البنية الاقتصادية للدولة، وفي مقدمتها سد مروي، وتعلية خزان الروصيرص، ومجمع سدي أعالي عطبرة وستيت، و الكهرباء والطرق والمياه. حيث أسهمت تلك المشروعات في تشكيل القطاعات المرتبطة بمعاش الناس وتحريك الاقتصاد.

وهنا تكمن أهمية استئناف التمويل. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تشغيل ما توقف فقط، وإنما إلى إعادة تعريف أولويات التنمية. الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية، وأضعفت شبكات الكهرباء والمياه والنقل، وفرضت ضغوطاً هائلة على المالية العامة والقطاع المصرفي. وبالتالي، فإن التمويل العربي التنموي يمكن أن يتحول من أداة تمويل للمشروعات إلى رافعة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني إذا جرى توجيهه وفق رؤية واضحة ومشروعات ذات أثر اقتصادي مباشر.

ولعل ملف الطاقة يأتي في مقدمة هذه الأولويات. فالتجربة السابقة للصندوق في تمويل مشروعات الكهرباء والسدود تؤسس لشراكة يمكن البناء عليها لاستعادة قدرات التوليد والنقل، وتوسيع الشبكات، وربط مناطق الإنتاج بالاستهلاك. وكذلك الحال بالنسبة للطرق القومية والمياه والزراعة، وهي قطاعات لا يمكن للاقتصاد أن يستعيد عافيته من دونها، لأنها تمثل البنية التحتية للإنتاج والاستقرار التنموي الاجتماعي.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على التمويل ، وإنما في كيفية إدارته وتحويله إلى قيمة تنموية مستدامة. ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه وزير المالية بشأن معالجة الالتزامات القائمة، باعتبارها بوابة ضرورية لاستعادة الثقة وفتح الطريق أمام برامج تمويل جديدة. كما أن تأكيد محافظ بنك السودان أهمية التعاون المالي والمصرفي يشير إلى أن التعافي الاقتصادي لن يتحقق بالمشروعات الحكومية وحدها، بل يحتاج إلى قطاع مصرفي قادر على تمويل الإنتاج وتحريك رأس المال المحلي.

والأهم أن الصندوق، بوصفه مؤسسة عربية تنموية والسودان من الدول المؤسسة له، لا يتعامل مع السودان باعتباره ملفاً طارئاً، وإنما كشريك تاريخي يمكن أن يستعيد موقعه داخل منظومة التعاون التنموي العربي. ولذلك فإن تأكيد الدكتور فوزي يوسف الحنيف على عمق العلاقات التاريخية وضرورة الاستفادة من برامج الصندوق يحمل فرصة تنموية واقتصادية ينبغي ألا تُهدر. كما يجب التعامل معها برؤية منتبهة.

غير أن المرحلة الجديدة تتطلب تغييراً في فلسفة الاقتراض نفسها. فالسودان لا يحتاج إلى تمويل يضيف أعباء جديدة على الدولة بقدر حاجته إلى تمويل ينتج دخلاً، ويخلق فرص عمل، ويزيد الإنتاج، ويعيد تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية، ويدعم القطاع الخاص، ويخدم الفئات الأكثر تضرراً من الحرب. وهذا يعني أن الأولوية ينبغي أن تنتقل، إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة تربط البنية التحتية بالاقتصاد الحقيقي.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق على توسيع التعاون ليشمل دعم القطاع الخاص والبرامج الموجهة للفئات محدودة الدخل يمثل تطوراً مهماً. فإعادة الإعمار ينبغي أن تكون عملية اقتصادية واجتماعية واسعة، يكون فيها المواطن والمنتج ورجل الأعمال والمزارع جزءاً من دورة التعافي.

غير أن الطريق ليس بلا عوائق، فالسودان يقع في قلب تنافس إقليمي على النفوذ والموارد والموانئ والممرات التجارية والأمن الغذائي والمعادن. لذلك قد تتحول مشروعات الكهرباء والمياه والزراعة والموانئ من فرص اقتصادية إلى أوراق جيوسياسية، ما يجعل التمويل العربي محكوماً أحياناً بتوازنات تتجاوز الاقتصاد، وتخشى بعض القوى أن تقود إعادة بناء السودان إلى تغيير موازين النفوذ في المنطقة.

وهذا يفرض على الخرطوم إدارة عودتها إلى مؤسسات التمويل العربية بذكاء سياسي، بعيداً عن الارتهان لأي محور أو تحويل التنمية إلى ساحة صراع. المطلوب شراكات متوازنة تعظم المصلحة، فالسودان، بموقعه على البحر الأحمر وموارده وثقله في القرن الأفريقي، أكبر من أن تكون إعادة بناء اقتصاده رهينة بالتوازنات الإقليمية أو الدولية.

ومن جهة أخرى، فإن الصندوق العربي، يملك طبيعة تجعل التعاون معه مختلفاً عن المساعدات الاقتصادية قصيرة الأجل، فهو مؤسسة إقليمية تمول مشروعات القطاعين العام والخاص وتقدم المنح والخبرات، وتضع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في صميم عملها. ولذلك فإن استعادة التعاون معه ينبغي أن تُبنى على ملفات فنية ناضجة، ودراسات جدوى حقيقية، وأولويات، وآليات تنفيذ ورقابة تمنع تكرار مشكلات المشروعات المتعثرة.

بحسب #وجه_الحقيقة، لا ينبغي أن يُنظر إلى الصندوق العربي كخزينة للتمويل، بل كشريك في إعادة بناء اقتصاد الدولة، بربط البنية الأساسية بالإنتاج، وتمكين القطاع الخاص، ودعم الزراعة والطاقة والنقل والأمن الغذائي. فالإعمار ليس استعادة الأصول، بل استعادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج والنمو. ومن هنا فإن عودة الصندوق إلى السودان ليست فرصة لتمويل جديد فحسب، بل لاستئناف مسار التنمية الذي قطعته الحرب.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 24 أغسطس 2026 م

#الصندوق_العربي #اقتصاد_الدولة #السودان #إعادة_الإعمار #التمويل_التنموي #التنمية_المستدامة #البنية_التحتية #القطاع_الخاص #الاقتصاد_السوداني #إبراهيم_شقلاوي

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *