الخرطوم=^المندرة نيوز^
يشهد قطاع التشييد والبناء في العالم، تحديات كبري لا تقتصر علي الكفاءة والقدرة الفنية في إنجاز المشروعات الكبرى وإنما علي مدى قدرة هذا القطاع على فهم متطلبات التنمية والاستجابة لاحتياجات المجتمعات، وصياغة حلول عملية لها في صورة مشروعات متكاملة تتوافر لها مقومات التمويل والتنفيذ والتشغيل، وتضمن استدامتها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، جاء المؤتمر السنوي للاتحاد العالمي للبناء (CICA)، الذي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس في الرابع من نوفمبر 2026، تحت عنوان “بناء ما يهم: مواءمة الطموحات التنموية مع خبرات صناعة التشييد”، ليؤكد ضرورة إحداث تحول في فلسفة العمل بقطاع التشييد والبناء، بحيث لا يقتصر تقييم المشروعات على حجم الاستثمارات والإنفاق الإنشائي، وإنما يمتد إلى قياس قيمتها الاقتصاديةوالاجتماعية ومدى إسهامها في تلبية احتياجات المجتمعات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتبرز أهمية هذا التوجه في ظل ما يشهده العالم من مشاكل متعددة، ابرزها النمو السكاني المتسارع، والتوسع الحضري، وتزايد الفجوة في توفير المساكن والخدمات الأساسية، بجانب ارتفاع تكاليف التمويل والتنفيذ، وتداعيات التغيرات المناخية، والحاجة المتزايدة إلى تطوير وتاهيل البنية التحتية القائمة ورفع كفاءتها.
وتناولت أعمال المؤتمر عددًا من المحاور الرئيسية، تتعلق بتطوير البنية التحتية الاجتماعية، وقطاعات المياه والطاقة، والنقل والربط بين المدن والمناطق، و الحوكمة والشفافية، والابتكار وتوظيف التكنولوجيا في صناعة التشييد.
وأثارت هذه المحاور مجموعة من القضايا المهمة المرتبطة بمستقبل صناعة المقاولات، من أبرزها دور المقاولين في إعداد المشروعات، وتطوير آليات التمويل ونماذج التعاقد، ورفع كفاءة الإنفاق، بجانب تعزيز إسهام الشركات المحلية والإقليمية في تنفيذ المشروعات التنموية الشاملة والمستدامة.
أولاً: حضور إسلامي وعربي وأفريقي يعزز مكانة صناعة المقاولات دولياً
عكست اجتماعات وفعاليات مؤتمر الاتحاد العالمي للبناء 2026 حضوراً رفيعا لقيادات وممثلي اتحادات المقاولين الإسلامية والعربية والأفريقية، بما يعبر عن أهمية التعاون بين الاتحادات الإقليمية والدولية في مواجهة التحديات المشتركة التي تواجه صناعة التشييد والبناء.
وفي هذا الإطار، شارك المهندس زكريا بن عبدالرحمن العبدالقادر رئيس اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، كمتحدثا رسميا في جلسة البنية التحتية الاجتماعية، التي ناقشت سبل توفير خدمات الإسكان والرعاية الصحية والتعليم بجودة مناسبة وتكلفة ميسورة.
وعلى صعيد التمثيل العربي، شهدت اجتماعات الاتحاد انتخاب المهندس علي فاخر السنافي، رئيس اتحاد المقاولين العرب، نائباً لرئيس الاتحاد العالمي للبناء (CICA)، وهو تطور هام يعزز مشاركة قطاع المقاولات العربي في مواقع صنع القرار، ويفتح آفاقاً أوسع للمساهمة في صياغة التوجهات الدولية للصناعة.
وعلى المستوى الأفريقي، برز حضور المهندس حسن عبدالعزيز، رئيس الاتحاد الأفريقي لمنظمات مقاولي التشييد، والسفير حاتم تاج الدين، الأمين العام للاتحاد الأفريقي، الذي تولى إدارة جلسة المؤتمر المخصصة لموضوع التنقل والربط بين المدن والمناطق.
كما ضم الوفد العربي والإسلامي كلاً من الدكتور مالك دنقلا، المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية، والمهندس حمدي شحاتة، الأمين العام لاتحاد المقاولين العرب. كما تميز المؤتمر بحضور أفريقي واسع لممثلين عن 11 دولة هي: مصر وليبيا والمغرب والنيجر وتوجو وإثيوبيا وغانا وأوغندا وزيمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون.
ومن بين الشخصيات التي شاركت المهندس عبدالمجيد محمد كشير من ليبيا، والسيد ياوو أغبيسي تسوغبي من توجو، والسيد يسوف محمد من إثيوبيا، والسيد أنطوني كلوتسي من غانا، إلى جانب عدد من قيادات وممثلي اتحادات ومنظمات المقاولين في بقية الدول الأفريقية.
وتتضح أهمية هذا التمثيل في أنه يعكس التنوع الجغرافي والمؤسسي للقارة الأفريقية، ويؤكدالحاجة إلى تعزيز التنسيق بين اتحادات المقاولين في الأسواق النامية، خاصة في مجالات إعداد المشروعات وتمويلها، وتطوير البنية التحتية، وبناء القدرات، وتوسيع فرص مشاركةالشركات المحلية والإقليمية.
ثانياً: المشاركة المغربية.. من الحوار المهني إلى المبادرات العملية
كانت المشاركة المغربية إحدى المشاركات التي تجاوزت مجرد الحضور وتبادل وجهات النظر إلى طرح مبادرات عملية لتعزيز التعاون المهني والاقتصادي، حيث مثل المملكة في المؤتمر السيد محمد محبوب، رئيس الجامعة الوطنية للبناءوالأشغال العمومية بالمغرب ، والسيد توفيق شيرادي، رئيس لجنة التشغيل والتكوين بالجامعة.
واكتسبت هذه المشاركة أهمية خاصة في ضوء الدور الذي تقوم به الجامعة الوطنية في دعم قطاع البناء والأشغال العمومية، وتطوير العلاقات المهنية والتجارية بين شركات المقاولات والمؤسسات المتخصصة، وتوسيع مجالات التعاون مع الاتحادات والمنظمات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، وجه السيد محمد محبوب دعوة رسمية إلى المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية لحضور الدورة العشرين للمعرض الدولي للبناء (SIB 2026)، المقرر إقامتها خلال الفترة من 25 إلى 29 نوفمبر 2026 بمركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة بالمملكة المغربية، حيث يمثل المعرض منصة مهنية واقتصادية تجمع شركات المقاولات والموردين والمصنعين والخبراءوالمتخصصين في مجالات البناء والأشغال، بما يوفر فرصاً للتعرف على أحدث المواد والتقنيات، وتبادل الخبرات، وبناء علاقات تجارية واستثمارية جديدة.
ومن ناحية أخرى، عكست مشاركة السيد توفيق شيرادي، بصفته رئيساً للجنة التشغيل والتكوين، اهتمام الجانب المغربي بالربط بين تطوير صناعة المقاولات وتأهيل الموارد البشرية وتوفير المهارات الهندسية والفنية، بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل.
وبالتالي مثلت المبادرة المغربية نموذجاً عملياً لكيفية تحويل اللقاءات والمؤتمرات الدولية إلى فرص للتعاون الاقتصادي والمهني، من خلال إقامة منصات تجمع الشركات والمؤسسات المتخصصة، وتدعم نقل المعرفة، وتفتح مجالات جديدة للشراكة والاستثمار.
كما اتاحت هذه المبادرة فرصة لتعزيز العلاقات القائمة بين الجامعة الوطنية للبناء والأشغال العمومية بالمغرب وكل من اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية واتحاد المقاولين العرب والاتحاد الأفريقي لمنظمات مقاولي الإنشاءات، بالتنسيق مع الاتحاد العالمي للمقاولين (CICA)، بما يمهد لإقامة تعاون مؤسسي أوسع يخدم مصالح شركات المقاولات في الدول الأعضاء..
ثالثاً: البنية التحتية الاجتماعية.. تلبية الاحتياجات في ظل محدودية الموارد
ناقشت الجلسة الاولي للمؤتمر موضوع “البنية التحتية الاجتماعية: توفير الإسكان والرعاية الصحية والتعليم بجودة عالية وتكلفة ميسورة”، وأدارتها السيدة فاني داستوغ، المديرة العامة للاتحاد العالمي للمقاولين.
وشارك في هذه الجلسة المهندس زكريا بن عبدالرحمن العبدالقادر، إلى جانب متحدثين من جهات متخصصة في الابتكار والتعاقد وإعداد مشروعات الصحة والتعليم.
واستندت الرؤية التي أعدها اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية للمشاركة في الجلسة إلى مفهوم أساسي، وهو أن القدرة على تحمل تكلفة المشروعات لا ينبغي أن تقتصر علي قيمة عقود الإنشاء وحدها، وإنما بالتكلفة الإجمالية للمشروع طوال دورة حياته، ومدى قدرته على الاستمرار في تقديم الخدمات المطلوبة بالمستوى المناسب من الجودة والكفاءة.
فإنشاء مدرسة بتكلفة منخفضة، تحتاج بعد سنوات قليلة إلى إصلاحات جوهرية، أو إقامة مستشفى ترتفع أعباء تشغيله وصيانته بصورة كبيرة، لا يمثلان استثمارا ناجحا، حتى لو كان الإنفاق الأولي محدوداً، فالعبرة ليست بتكلفة الإنشاء، وإنما بالقيمة التي يحققها المشروع على المدى الطويل.
ومن هذا المنطلق، فإن التخطيط لمشروعات البنية التحتية الاجتماعية يجب ان يبدا من دراسة الاحتياجات الفعلية للسكان، وتحليل التوزيع الجغرافي للخدمات القائمة ومدى كفايتها، مع المفاضلة بين البدائل المختلفة، سواء بإنشاء منشآت جديدة او تطوير المنشآت القائمة أو توسعتها أو إعادة تأهيلها.
كما تبرز أهمية وضع مؤشرات أداء محددة لقياس جودة الخدمات، وكفاءة التشغيل، وتكاليف الصيانة، ومدى استدامة المنشآت، وليس الاكتفاء بقياس عدد المباني أو حجم الإنفاق الرأسمالي.
رابعاً: من أقل سعر إلى أفضل قيمة طوال دورة حياة المشروع
تناولت رؤية رئيس اتحاد المقاولين بالدول الإسلامية في المؤتمر أهمية تطوير أنظمة المشتريات والتعاقد، بحيث لا تقتصر المفاضلة بين العطاءات على تكلفة الإنشاء، وإنما تمتد لتشمل التكلفة الإجمالية للمشروع طوال دورة حياته.
ويشمل ذلك تقييم تكاليف التشغيل والصيانة والطاقة والتجديد، طوال دورة حياته إلى جانب جودة التصميم والتنفيذ ومدى استدامة المشروع.
كما أكدت الرؤية أهمية التوسع في العقود القائمة على الأداء، التي يرتبط فيها جزء من المقابل المالي بمدى استمرار المنشأة في تقديم مستويات الخدمة المتفق عليها.
ومن شأن هذه الآليات تشجيع المقاولين والمصممين والمشغلين على تبني حلول أكثر كفاءة، وتجنب تحقيق وفورات مؤقتة في تكلفة الإنشاء تقابلها أعباء مالية أكبر في المستقبل.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الاستفادة من نماذج العقود الدولية، ومنها عقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (FIDIC)، مع ضمان التوزيع العادل للمخاطر بين المالك والمقاول.
فوضوح المخاطر وإسناد مسؤولية إدارتها إلى الطرف الأكثر قدرة على التعامل معها يسهمان في تحسين فرص تنفيذ المشروعات في حدود التكلفة والمدة المحددتين، والحد من النزاعات والتعثر.
خامساً: التصميمات القياسية والتصنيع المسبق وتوطين التكنولوجيا
تتيح التصميمات القياسية والتصنيع المسبق والبناء المعياري ونمذجة معلومات البناء (BIM) فرصاً لخفض تكاليف مشروعات البنية التحتية الاجتماعية وتحسين جودتها.
ويمكن للدول التي تحتاج إلى تنفيذ أعداد كبيرة من المدارس والمراكز الصحية والمساكن الاستفادة من تطوير نماذج تصميمية قابلة للتكرار والتعديل وفقاً لطبيعة المواقع والظروف المناخية والاحتياجات المحلية.
كما يسهم استخدام المكونات سابقة التجهيز في تحسين ضبط الجودة، والحد من الهدر، وتقليص فترات التنفيذ.
وتتحقق فوائد أكبر من هذه التقنيات من خلال توطينها، من خلال تطوير المصانع المحلية، وتدريب العمالة والمهندسين، وتعزيز دور الموردين الوطنيين، بما لا يقتصر أثره على خفض تكلفة المشروعات، بل يمتد إلى توفير فرص العمل وتنمية القدرات الصناعية والمهنية.
قراءة تحليلية في المؤتمر السنوي للاتحاد العالمي للبناءCICA 2026 – باريس:
صناعة المقاولات من الاحتياجات المجتمعية
إلى مشروعات التنمية المستدامة القابلة للتمويل (1-3)
بقلم دكتور مهندس/ مالك علي دنقلا المدير التنفيذي لاتحاد المقاولين بالدول الإسلامية
نواصل…





