الخرطوم=^المندرة نيوز^
تعيين مبعوث أممي جديد إلى السودان يأتي في ظرف لا يحتمل المعالجات البروتوكولية. البلاد لا تمر بمرحلة انتقال سياسي هش، بل في حرب مفتوحة ذات أبعاد سيادية وإقليمية معقدة، واقتصاد حرب متجذر، وتداخل مسارات دولية متنافسة. لذلك فالسؤال ليس من هو الرجل، بل هل النموذج الذي يمثّله مناسب لطبيعة المرحلة؟
رجل عملية سياسية في لحظة حرب وجود
هافيستو بنى مسيرته على الوساطات التوافقية وبناء المسارات التدريجية. هذه أدوات مفيدة عندما تكون الأطراف تبحث عن تسوية. لكن السودان اليوم يواجه معضلة مختلفة: المشكلة ليست نقص الصياغات السياسية، بل غياب الإرادة لدى أطراف ترى في استمرار الحرب مكاسب استراتيجية. المرحلة تحتاج أدوات ضغط وردع وتنسيق أمني عالي المستوى، لا مجرد تقريب وجهات نظر.
أزمة تعريف المهمة
ما المطلوب تحديدًا؟ وقف إطلاق نار إنساني؟ مسار سياسي؟ إعادة هندسة الدولة؟ أم إدارة صراع طويل الأمد؟ حتى الآن لا يوجد تعريف حاسم للمهمة. تعيين وسيط دون وضوح الهدف خطأ تصميم مؤسسي. النتيجة المتوقعة: إدارة اجتماعات بدل صناعة نتائج.
خلفية أوروبية لا تترجم نفوذًا فعليًا
قاد وزارة خارجية فنلندا ورأس المعهد الأوروبي للسلام، ما يمنحه شبكة محترمة داخل أوروبا. لكن أوروبا اليوم ليست اللاعب الأكثر تأثيرًا في السودان. النفوذ الحقيقي يتمركز في عواصم إقليمية تمتلك أدوات مالية وعسكرية مباشرة. السؤال العملي: هل يستطيع تحريك هذه العواصم؟ أم سيبقى إطار تحركه محدودًا بالدبلوماسية الأوروبية التقليدية؟
الخبرة السابقة… ميزة أم عبء؟
عمل سابقًا في ملف دارفور، غير أن السودان اليوم ليس سودان الأمس. الخريطة العسكرية تغيّرت، مراكز النفوذ تبدلت، والبيئة الإقليمية أكثر تعقيدًا. الخبرة القديمة قد تولّد قوالب تحليل جاهزة لا تعكس الواقع الحالي.
تعدد المنصات وتضارب المسارات
الملف السوداني موزع بين مسار جدة، الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، ومبادرات إقليمية أخرى. إضافة مبعوث أممي جديد دون إعادة هيكلة هذا المشهد تعني مزيدًا من الازدواجية والتنافس الخفي على الشرعية. البيئة التشغيلية نفسها غير منضبطة.
الحياد في بيئة غير متكافئة
النهج المتوازن مفيد في نزاعات تقليدية. لكن عندما يكون هناك اختلال في موازين القوة أو في مصادر الدعم الخارجي، فإن الحياد الإجرائي قد يتحول إلى مساواة شكلية تطيل أمد الأزمة بدل أن تعالج جذورها.
غياب سجل في إدارة حرب متعددة المسارات
السودان اليوم ليس ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا بحتًا، بل ملف أمن إقليمي متشابك، بشبكات تمويل عابرة للحدود. إدارة هذا النوع من النزاعات تتطلب خبرة مباشرة في ملفات ذات طابع عسكري وجيوسياسي ثقيل.
عامل الوقت
كل وساطة تحتاج لحظة نضج سياسي. هل وصلت الأطراف إلى مرحلة الإنهاك؟ إذا لم يحدث ذلك، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى شكليًا، ويستنزف الوسيط في جولات بلا نتائج.
خطر إضفاء الشرعية غير المقصودة
في بعض النزاعات، مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض يمنح شرعية دولية لأطراف لم تحسم وضعها ميدانيًا. إذا لم يكن التفويض محددًا بدقة، فقد تتحول الوساطة إلى منصة إعادة تموضع سياسي بدل أن تكون أداة إنهاء صراع.
الأمم المتحدة في موقع ضعف
أي مبعوث يعمل ضمن سقف مجلس الأمن. في ظل غياب توافق حاسم بين القوى الكبرى وغياب ضغط إقليمي منسق، تبقى أدوات الأمم المتحدة محدودة. المشكلة إذن ليست في الشخص فقط، بل في الهيكل الذي يعمل من خلاله.
*الخلاصة الاستراتيجية*
اختيار هافيستو يبدو استمرارًا لنمط أممي يقوم على إدارة الأزمة لا إعادة صياغة معادلة القوة. هو شخصية محترفة وذات خبرة، لكن المرحلة الحالية لا تحتاج ميسّرًا محايدًا بقدر ما تحتاج تفويضًا صارمًا، دعمًا سياسيًا من قوى مؤثرة، تنسيقًا إقليميًا حاسمًا، وأدوات ضغط فعلية. السودان اليوم أقرب إلى ملف أمن سيادي إقليمي منه إلى مسار انتقال سياسي تقليدي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس نجاح المبعوث بنظافة سيرته، بل بقدرته على تغيير ميزان المعادلة. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن النموذج المطروح قادر على ذلك…
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*
*25/02/2026*






