المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. مقصلة “الإصلاح”: رصاصة الرحمة على ما تبقى من الدولة ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل سألت نفسك يوماً عن المسافة الفاصلة بين “الشائعة” و”القرار الرسمي” في بلادنا؟ في أوقات الأزمات الكبرى، غالباً ما تكون هذه المسافة مجرد توقيع مرتبك على ورقة يُقال إنها قيد الدراسة. تصبح الكلمات حمّالة أوجه، وتغدو التطمينات الرسمية أحياناً أشد وطأة من المخاوف ذاتها. هكذا استيقظ الشارع السوداني، المُنهك أصلاً بأثقال الحرب وتداعيات النزوح، على جدل غريب بطلته لغة النفي وإيقاعه وثائق رسمية مسربة لا تكذب ولا تتجمل.

رئيس الوزراء يخرج ببيان مقتضب ينفي فيه إعفاء العاملين بالدولة، واصفاً الأمر بالشائعة الدارجة، ومشيراً بهدوء إلى وجود “لجنة وزارية لإصلاح الخدمة المدنية”. لكن على الضفة الأخرى من النهر، يقف القرار رقم 22 لوزير الموارد البشرية كحقيقة مادية عنيدة لا تقبل المحو؛ قرار يتحدث صراحة عن تشكيل لجنة لحصر وتصنيف العمالة الاتحادية بهدف “التقليص”، في غياب تام ومريب لتمثيل اتحاد نقابات عمال السودان. نحن هنا لسنا أمام مجرد سوء فهم إداري أو زلة قلم، بل أمام أزمة شفافية عميقة تضع أرزاق الآلاف على مقصلة التخبط والقرارات الفوقية.

وعندما نفكك هذا المشهد بهدوء وروية، نكتشف أن المعضلة تتجاوز فكرة النفي أو الإثبات لتصل إلى صلب كفاءة إدارة الدولة. الوثائق المتداولة تشير إلى توجه نحو منح المعاش المبكر لربع العاملين، وإلغاء أكثر من 35 ألف وظيفة. وهنا يقفز المنطق البديهي ليسأل: هل يملك رئيس الوزراء وحكومته الحالية تفويضاً دستورياً لإجراء جراحة بتر بهذا الحجم في جسد الخدمة المدنية في ظل هذا الفراغ التشريعي؟ الإجابة القانونية تقول لا. والأغرب أن النفي الصريح الصادر عن مكتبه يطرح تساؤلاً مرعباً: هل رئيس الوزراء هو آخر من يعلم بما يدور في أروقة وزاراته؟ أم أننا نعيش حالة من “الإنكار السياسي” للالتفاف على غضب الشارع وتخدير النقابات المهنية الحية، كما تلمسنا في الرفض القاطع الذي أعلنته عدد من الواجهات المهنية والنقابية ببياناتها التى وثقت بها موقفها تجاه القرار؟

بعيداً عن المكاتب المكيفة وتنظير اللجان، دعونا نلامس واقع الموظف البسيط. تخيل مهندساً في هيئة البث، أو موظفاً فنياً في الإمدادات الطبية، ينتظر راتبه الهزيل بشق الأنفس ليطعم أطفاله في زمن قاحل، ليُفاجأ بأن دولته، بدلاً من حمايته، تخطط لإحالته إلى رصيف البطالة الموحش بحجة “الإصلاح”. الإصلاح الحقيقي لا يعني التخلص العشوائي من الكفاءات، بل إعادة تدويرها بذكاء. إذا كان المركز مثقلاً حقاً، فهناك ولايات بأكملها تئن من نقص الكوادر المتمرسة. لماذا يُسرح مهندس وهناك عشرات المحطات الولائية التي تتوق لخبرته؟ هذا ليس إصلاحاً، هذا استسهال إداري يكشف عن فقر مدقع في الخيال والحلول البديلة.

ثم نأتي لفخ الأرقام الصارمة الذي تجاهلته لجان التصفية تماماً. الصندوق الوطني للمعاشات صرخ محذراً، في وثائق داخلية، من أن هذه الخطوة ستلتهم رأس ماله الضعيف أصلاً. كيف ستمول الدولة إحالة هذا الجيش الجرار إلى المعاش المبكر؟ نحن نتحدث عن تكلفة خرافية تتجاوز 354 مليار جنيه. ضخ هذا المبلغ المتخيل—إن وُجد—في الأسواق دفعة واحدة وسط اقتصاد حرب متهاوٍ، سيؤدي حتماً إلى طوفان من التضخم يسحق ما تبقى من قيمة الجنيه والقدرة الشرائية للمواطن. التخطيط لسياسة لا تملك مقومات تمويلها هو ببساطة قفزة مظلمة في المجهول.

ولو تأملنا بتجرد تجارب الدول التي مرت بظروف قاهرة مشابهة لحالتنا، كرواندا بعد فاجعتها أو دول أوروبا الشرقية في مرحلة الانتقال العاصف، سنجد أنها لم تبدأ مسيرتها بتسريح موظفيها وتشريد عقولها في أوج الأزمة. بل استخدمت جهاز الخدمة المدنية، بكل علاته وترهله، كعمود فقري للحفاظ على تماسك الدولة ومنع انهيارها الشامل. أجلت تلك الدول الجراحات الهيكلية المعقدة إلى ما بعد استقرار المؤسسات وعودة السلم الاجتماعي، ونفذتها بشفافية وبمشاركة حقيقية من النقابات وأصحاب المصلحة، لا عبر لجان مغلقة تصدر أحكامها في جنح الظلام.

لقد دفع السودان أثماناً باهظة ومؤلمة في ماضيه القريب بسبب سياسات “الصالح العام” التي أفرغت مؤسساتنا من كفاءاتها لصالح ولاءات سياسية عابرة. اليوم، استخدام شعارات “الإصلاح الإداري” الفضفاضة كغطاء لتمرير قرارات إقصائية في ظل غياب المؤسسات الشرعية، هو لعب بالنار في توقيت لا يحتمل المزيد من الحرائق. حماية هؤلاء العاملين ليست مجرد مطالبة نقابية فئوية ضيقة، بل هي دفاع عن الأمن القومي وعن آخر ما تبقى من هيكل الدولة السودانية المترنح.

بعد اخير:

خلاصة القول، التلاعب بأرزاق الناس تحت لافتات الإصلاح في أزمنة الحرب العاصفة ليس مجرد خطأ إداري، بل هو طعنة في ظهر مجتمع يقاتل يومياً من أجل البقاء.

وأخيرًا، الخدمة المدنية لا تُصلح بمقصلة في غرف مغلقة؛ إما أن نملك الشجاعة لإعادة بناء هذه الدولة بشفافية وضمير حي، أو نستعد لدفع ثمن انهيارها الأخير.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 20 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *