الخرطوم=^المندرة نيوز^
ما بعد التوصيات.. اختبار الإرادة في مواجهة الواقع ..!
تنطفئ أضواء قاعة المؤتمرات، وتُطوى الأوراق، ويعود كل مسؤول إلى ولايته حاملاً في حقيبته حزمة من التوصيات الاستراتيجية والوعود. هنا، وفي هذه اللحظة بالذات، ينتهي الجهد النظري ليبدأ الاختبار الحقيقي والأكثر قسوة: اختبار تحويل الحبر على الورق إلى حقنة دواء في وريد مريض، وسيارة إسعاف تصل في موعدها، وتأمين صحي يحفظ كرامة المواطن.
لقد لامس ملتقى وزراء الصحة 2026 كل القضايا الشائكة؛ من الحوكمة والتحول الرقمي، إلى الاستثمار الدوائي وتوطين الصناعة، وصولاً إلى الرعاية الطارئة والتمويل. التشخيص كان دقيقاً وشفافاً، والاعتراف بهشاشة الوضع والاعتماد الكبير على التمويل من جيوب المواطنين المنهكين كان خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح. لكن الوعي بالمشكلة، على أهميته، لا يعالجها.
الواقع اليومي للمواطن السوداني لا يحتمل المزيد من التنظير. هنالك تحديات تتطلب تدخلاً فورياً، كالتنسيق المعقد مع المنظمات والمانحين لضمان وصول الخدمة للولايات التي لا زالت تعاني، وإصلاح نظام التمويل الصحي الذي أصبح يشكل عبئاً يفقر الأسر. التحول الرقمي الذي عُرضت نماذجه المبشرة، كمنصة “بلدنا” وتجربة الإمدادات الطبية وبنك الدم، يجب أن يُعمم ليقضي على الهدر والفساد الإداري، ويضمن عدالة توزيع الموارد الشحيحة أصلاً.
التوافق على ميثاق الصحة للتعافي، ووضع الثلاثين من أكتوبر القادم كموعد لمراجعة ما تم تنفيذه، يمثل سابقة إيجابية في وضع آليات للمساءلة والقياس. هذا الموعد يجب أن يكون سيفاً مسلطاً على رقاب الإدارات التنفيذية، فإما أن تثبت الدولة قدرتها على التنسيق الأفقي والرأسي بين الصحة والمالية والحكم الاتحادي، أو تعود الدورة مجدداً إلى مربع التبريرات واللجان التي لا تنتهي.
بعد اخير:
خلاصة القول، نجاح هذه المقررات مرهون بإرادة سياسية حقيقية تعتبر الدواء أولوية تسبق أي إنفاق آخر، وتؤمن بأن الأمن الصحي هو الركيزة الأساسية لأي استقرار أمني أو مجتمعي. الخطط وضعت، والالتزامات أُعلنت، والأنظار الآن تتجه نحو التنفيذ الميداني الذي سيلامس حياة الناس بشكل مباشر.
وأخيرًا، الأوبئة والأزمات لا تقرأ التوصيات الختامية للمؤتمرات؛ إنها تتراجع فقط عندما تصطدم بعمل حقيقي على الأرض.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 5 مايو 2026م







