المندرة نيوز

مصعب بريــر يكتب.. بانجول تحت المجهر: تقارير ناقصة تصنع أحكامًا كاملة وتضع سيادة السودان على المحك ..!

الخرطوم=^المندرة نيوز^
هل يمكن لحقيقةٍ أن تكتمل إذا كُتبت من بعيد؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً واسعاً لفهم ما جرى في بانجول، حيث اختار السودان أن يرفض “إعلان بانجول المشترك” لا باعتباره ورقة سياسية عابرة، بل باعتباره مؤشراً على خلل أعمق في ميزان العلاقة بين الشرعية الدولية والسيادة الوطنية.

القضية هنا ليست نصاً دبلوماسياً ولا خلافاً إجرائياً. نحن أمام لحظة تتقاطع فيها مسألتان حسّاسيتان: كيف يُقيَّم وضع حقوق الإنسان في بلد يمر بظرف استثنائي، ومن يملك حق إصدار هذا التقييم؟ التوقيت وحده كافٍ ليجعل المسألة أكثر تعقيداً؛ فالسودان يقف في مرحلة إعادة ترتيب داخلي، وأي توصيف خارجي متعجل يمكن أن يتحول من “تقرير” إلى أداة ضغط.

إذا اقتربنا من التفاصيل، سنجد أن جوهر الاعتراض السوداني قانوني قبل أن يكون سياسياً. الفكرة بسيطة في ظاهرها: كل آلية دولية أو إقليمية تملك تفويضاً محدداً، ولا يجوز دمج هذه التفويضات لإنتاج كيان هجين يتحدث بصوت واحد. حين يحدث ذلك، تصبح النتيجة أقرب إلى “رأي مركّب” لا يستند إلى أساس قانوني صلب. هذه ليست حيلة لغوية، بل نقطة تمس شرعية أي استنتاج يصدر لاحقاً.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الشكل القانوني. هناك مسألة المنهج نفسه. تقارير تُبنى على زيارات خارجية، مقابلات عن بُعد، وشهادات غير مكتملة من حيث السياق الجغرافي والزماني. تخيّل ببساطة أن تحاول فهم مدينة كاملة من خلال أطرافها فقط، دون أن تمشي في شوارعها أو تستمع إلى أصوات من داخلها. النتيجة لن تكون كذباً صريحاً، لكنها لن تكون حقيقة كاملة أيضاً. وهنا يكمن الخطر: أنصاف الحقائق غالباً ما تكون أكثر إقناعاً من الأكاذيب.

في المقابل، يطرح السودان رواية مختلفة، لا تقوم على إنكار الانتهاكات، بل على التأكيد بوجود آليات وطنية للتحقيق، ووجود بعثات أممية عاملة داخل البلاد. السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه القنوات موجودة، فلماذا يتم تجاوزها؟ هل المشكلة في الثقة، أم في الرغبة في بناء مسار موازٍ أسرع، حتى لو كان أقل دقة؟

الأثر الحقيقي لهذا النوع من التقارير لا يبقى في قاعات الاجتماعات. المواطن العادي قد لا يعرف تفاصيل “إعلان بانجول”، لكنه يشعر بنتائجه. صورة بلد تتشكل في الخارج، قرارات تمويل تتأثر، مواقف سياسية تُبنى. وفي النهاية، من يدفع الثمن ليس الوفد ولا اللجنة، بل إنسان يحاول أن يعيش وسط واقع معقد، ويُختزل صوته في تقرير لم يسمعه.

ما يزيد المشهد تعقيداً هو هذا التناقض الصامت: مؤسسات ترفع شعار حماية الحقوق، لكنها قد تتجاوز—من حيث لا تقصد أو ربما تقصد—أبسط قواعد العدالة الإجرائية. الاستماع لكل الأطراف، التحقق الميداني، احترام السياق. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل أساس أي حكم يُراد له أن يكون عادلاً. وعندما تغيب، يصبح الحكم نفسه موضع سؤال.

بعد اخير:

خلاصة القول، نقترب هنا من لبّ المسألة: الصراع ليس بين من يدافع عن حقوق الإنسان ومن يرفضها، بل بين طريقتين لفهمها. واحدة ترى أن السرعة في الإدانة تُنقذ الضحايا، وأخرى ترى أن الدقة هي الطريق الوحيد للعدالة. وبين السرعة والدقة، قد تضيع الحقيقة إن لم يُحسن ضبط الميزان.

وأخيرًا، المسألة أبسط وأعمق مما تبدو: ليس كل ما يُكتب عن الحقيقة حقيقة… خاصةً حين يُكتب من خارجها.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 13 مايو 2026م

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب

إقرا ايضاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *