الخرطوم=^المندرة نيوز^
إذا كان للحرب أي جانب إيجابي، فيمكن رؤيته بوضوح في تصريحات الطالبة السودانية التي تصدرت قائمة الناجحين في امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للعام الدراسي 2026. فقد عكست تصريحاتها -خلال مقابلة مع مجلة “سودانو” (Sudanow) التابعة لوكالة السودان للأنباء (سونا)- حساً وطنياً ناضجاً وارتباطاً عميقاً بالمؤسسات الوطنية التي تضمن تماسك البلاد.
وفي المقابلة التي أجرتها معها أمل عبد الحميد في القاهرة، أوضحت “تقى النور محمد النور” -التي احرزت نسبة 97.7%- أن نجاحها لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة عمل دؤوب أثبت أن النجاح ممكن التحقق حتى في ظل الظروف القاسية السائدة، كالحرب والنزوح. وقد أكدت الطالبة -بما ينم عن نضج يفوق عمرها- أن هذا الإنجاز جاء نتيجة لجهود مضنية، فردية وجماعية على حد سواء.
وشددت على أن ما يجعل تجربتها ملهمة حقاً هو أن نظرتها للتميز تتجاوز مجرد النتيجة الرقمية؛ إذ تتمحور حول قيمة السعي، والتوكل على الله، والقدرة على تجاوز العقبات. وتكشف إجاباتها عن شخصية طالبة تدرك تماماً ما تريد، وتعي أن “النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا ترك أثراً إيجابياً في حياة الآخرين”.
إنها تجسيد لإرادة وطنية تبرز حين يدرك الشباب أن بناء الوطن يتحقق بتجاوز الرغبات الشخصية نحو الإنجاز الوطني، وحين يصبح النجاح تجربة مشتركة ذات أثر مستقبلي يمتد ليشمل الآخرين، بدءاً من الدائرة الضيقة للأسرة المقربة ووصولاً إلى الأمة بأسرها.
إن شابةً تظل مؤمنة بعزة أمتها ومستقبل بلادها -رغم ظروف الحرب التي أجبرت عائلتها على النزوح من منطقتها لتصبح لاجئة- تقدم نموذجاً رائعاً؛ فهي تثبت أنه مهما حلّ بالوطن من محن، يظل بصيص الأمل موجوداً في نهاية النفق، ويُعد نجاحها دليلاً ساطعاً على ذلك. عندما سُئلت عما كانت ستفعله لو عاد بها الزمن إلى ما قبل إعلان النتائج، وعما كانت ستغيره في تصرفاتها، جاءت إجابتها لتعكس بوضوح مدى نضج الشباب السوداني المنفتح على الشعوب والثقافات الأخرى؛ إذ قالت: “نصيحتي لنفسي هي العمل بجد واجتهاد دون الانشغال المفرط بالعواقب أو النتيجة النهائية… فالمطلوب من المرء أن يبذل قصارى جهده ثم يترك الباقي لله”.
وفيما يتعلق بمسألة قد تبدو بديهية للكثير من السودانيين، أشارت إلى أن اللغة العربية كانت تمثل التحدي الأكبر بالنسبة لها، لكنها استخلصت من هذا التحدي درساً قيماً يمكن توظيفه حتى في عملية بناء الوطن. فالسودان يواجه تحديات جمة وصعبة للغاية، وبالنسبة لـ “تقوى”، تطلبت هذه المادة الدراسية الصعبة جهداً إضافياً كبيراً؛ إلا أنها – بفضل تفاني المعلمين وكثرة التدريب والممارسة – بدأت تحقق تحسناً ملحوظاً.
وقد خلصت إلى نتيجة يمكن تطبيقها على أي موقف صعب نعيشه حالياً – سواء كان حرباً، أو ضائقة اقتصادية، أو مؤامرات إقليمية ودولية، أو دماراً للمؤسسات، أو نزوحاً ولجوءاً – حيث قالت: “تعلمت من هذه التجربة أن المادة التي تبدو صعبة في البداية يمكن أن تصبح سهلة بالصبر والممارسة والمثابرة، وأنه لا ينبغي لي الاستسلام لمجرد مواجهة صعوبات أولية”.
لكنها استخلصت أيضاً درساً آخر يمكن للأفراد والمناطق والحكومات والأسر، وحتى الوطن بأسره، أن يطبقوه بكل سرور. فعندما طُلب منها اختيار كلمة واحدة تصف رحلة تميزها وسط الظروف الراهنة في السودان، كان ردها ناضجاً يليق بشخص في سن الحكمة (ما فوق الأربعين)، إذ قالت: “سأختار كلمة ‘العزيمة’. فأنا أؤمن بأنه لا يمكن للمرء تحقيق التميز دون عزيمة، حتى لو كانت الظروف المحيطة مثالية. أما بوجود العزيمة، فيستطيع الإنسان شق طريقه وتجاوز العقبات، مهما كانت طبيعتها”.
ولعل أكثر ما يبعث على التأثر في إجابتها هو تأكيدها على أن المكاسب والنجاحات الشخصية تقل أهمية بكثير عن المكاسب والنجاحات الوطنية. إنها قصة الجيل الجديد، قصة أولئك الذين عاشوا وتحملوا قسوة العدوان الذي شنته ميليشيات مارقة على وطنهم؛ وذلك حين سُئلت عن مدى سعادتها عند إعلان تفوقها وتصدرها للمجال الأكاديمي. قالت إن هذا لا يُقارن بـ “تحرير الخرطوم”، وأضافت: “تكتمل سعادتي الحقيقية حين أرى السودان وشعبه في حالٍ طيبة، وحين يُمثّل التميز الذي حققناه بدايةً لمستقبلٍ أفضل لبلادنا. إن النجاح الشخصي أمرٌ رائع، لكن الأجمل منه هو رؤية وطننا يتعافى ويمنح أبناءه الفرصة لتحقيق أحلامهم وبناء مستقبلهم”.
تقرير: سونا







