المندرة نيوز

إعادة توجيه الدولة أو ضياع السودان

بقلم أ. د. محمد حسين أبوصالح..أستاذ التخطيط الإستراتيجي القومي

يمر السودان بظرف بالغ التعقيد يحتاج البت فيه للصراحة وعدم تلوين الحقائق، ولا يتحمل أي قدر من النفاق والرياء والكذب، يتطلب التجرد والارتفاع فوق الأنانية وعدم تحميل الوطن تبعات أهواء أو أخطاء أو إلتزامات أو قناعات شخصية، يتطلب من كل منا أن يرى المشهد السوداني كاملاً من الأعلى بكل جوانبه وليس من الاسفل حيث التفاصيل المملة وغير المهمة والتي غالباً ما تقود للخلاف….. أرجو الاستماع باخلاص لهذا لحديث وقبول التحدي لعلاج الأخطاء والسعي لرسم المسار السوداني نحو المستقبل بإرادة سودانية واعية ومخلصة، وإلا فلنستعد للأسوأ ..
ثورة بمشاركة وطنية واسعة
في ديسمبر 2018 ، اندلعت الثورة الشعبية في مختلف أنحاء السودان بمشاركة واسعة جداً من قطاعات الشعب السوداني ومكوناته وإنتماءاته وتوجهاته وجهاته، تطالب بإسقاط نظام الإنقاذ، فالتيار الشبابي العريض كان هناك والمتصوفة كانوا هناك والسلفية واليسار والاتحاديين وكثير من الإسلاميين المختلفين مع الانقاذ وغيرهم كُثُر،….. كان هناك الأقباط والرياضيين والفنانين وأبطال الشوارع وبائعي الدرداقات وستات الشاي، كان هناك أبناء كردفان والنيل الازرق والأبيض ودارفور والشمالية وشرق السودان ونهر النيل والجزيرة والخرطوم وسنار، الجميع كان هناك……….. النقطة الجوهرية هنا هو أن الشارع العام خرج بكل انتماءاته ولا يدعي أحد من اليمين أو اليسار أو غيرهما بأن الشارع يمثله لوحده، أو يدعي أنه أخرج الشعب للشارع، فالشارع خرج من تلقاء نفسه ، وتقدم على مؤسساته.. وينبغي أن يعكس المشهد السياسي هذه الحقيقة المفصلية المهمة.
أسباب اندلاع الثورة
وقفت أسباب عديدية خلف خروج الشارع، أهمها سوء الحالة الاقتصادية وتردي الخدمات والتمكين وانتشار الفساد والمحسوبية والتمييز والعنصرية والممارسة السياسية العشوائية وغياب أي توجه جاد يؤسس لمستقبل أفضل للسودان.
عليه وفي إطار مفهوم الثورة الكاملة الذي لا ينتهي بالإسقاط فقط وإنما يمتد ليشمل عمليات التأسيس للنهضة وللمعاني التي ناضل من أجلها الشهداء والثوار، وهي مرحلة نضال الفكر والإبداع والإنتاج وتحويل المعاني إلى ممارسة وواقع معاش….، فإن الوضع الطبيعي هو أن تتضمن المرحلة الثانية للثورة ترتيبات لتحقيق تلك المعاني، أي التأسيس للحكم الراشد وللنهضة التي تناسب السودان وتاريخه وإمكاناته وموارده ومزاياه، فضلاً عن علاج الأزمة الاقتصادية والتأسيس للعبور نحو المستقبل.
اختطاف الثورة
لكن هل تم اختطاف الثورة بعدما نجح الثوار في إسقاط النظام. برأيي وبدون مجاملة ومواربة أقول نعم، والسبب في ذلك أن عدم انتظام جحافل الثوار ومن خلفهم جيوش ضخمة من العلماء والخبراء والمبدعين من أبناء السودان، خلف رؤية واحدة وقيادة واحدة وتنظيم إداري محكم يمثلهم ويعبر عنهم، في ظل ظروف محلية وخارجية بالغة التعقيد وساحة محلية تموج بالرؤى والمخابرات الأجنبية والأجندات الضيقة، وغطاء إعلامي متقن، فقد جرت سرقة الثورة بمنتهى الدهاء، حيث لا تستطيع أي جهة تحديد المنهج والآليات ومرجعيات علم الاحصاء والاستقصاء التي تم بموجبها الحصول على التفويض من الثوار، في ظل إنفعال ثوري كان مهتماً بترتيبات الإسقاط من تظاهر واعتصام وتروس، إلخ، حيث أجبر ذلك العسكريين للحوار مع تلك الجهات غير المفوضة من الثوار، تحت تأثير الصدمة وقوة الإعلام والإيحاء والفراغ الذي تركه الثوار لغيرهم كما جرت العادة في الثورات السابقة، لتتمخض سلطة جديدة لكنها مشوهة، لينتهي الحال بدولة تُدار في كثير من الأحوال بإرادة جهات أخرى وليس إرادة الثوار الذين أسقطوا النظام، وبأهداف أخرى وليس بموجب أهداف الثورة.
من الملاحظات المهمة هو أن مشاركة الحركات المسلحة في ثورة ديسمبر لم تكن بالسلاح بل من خلال انضمام بعض منسوبيها للشارع، شأنها شأن الالتفاف السوداني العريض حول الثورة، الشئ الذي يشير بوضوح إلى عجز النضال العسكري خلال عشرين عاماً في إسقاط النظام، بينما نجح النضال السلمي.
ولعله من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها السلطة الانتقالية هو إدارة تفاوض مع الحركات المسلحة ، حيث كان ينبغي على الجميع قراءة المشهد بعد سقوط النظام بطريقة مختلفة عما كان قبله، فالنزاع الذي بموجبه حدثت الأزمة كان بين طرفين أحدهما غير موجود الآن وهو نظام الإنقاذ، وبالتالي عندما تشكلت سلطات الثورة فإن الوضع الطبيعي أن ينخرط الجميع في مؤتمر استراتيجي سوداني لحلحلة مشكلات السودان وتشكيل مستقبله، وليس تفاوض لحل النزاع ، لأن النزاع انتفى كما أسلفت، والسؤال البديهي هنا لماذا تم اختيار التفاوض مع الحركات، هل بسبب إسقاطها للنظام عسكرياً ؟ الاجابة طبعاً لا، فقد عجزت عن ذلك، … فإذا كان الحوار بسبب مشاركة منسوبي بعضها في إسقاط النظام، فلماذا تم إهمال الحوار مع بقية الثوار الأكثر عدداً الذين يشكلو الأغلبية والذين بادروا بالثورة.
وبالتالي فإن التفاوض المحموم بين الحركات المسلحة والسلطة الإنتقالية لن يقود لسلام مستدام لسبب بسيط وهو أن طبيعة بنود الحوار تتطلب تفويض انتخابي من الشعب السوداني وإلا أصبح ذلك تخطياً للإرادة الشعبية، يجب علينا أن نعي الدرس بعد هذه السلسلة الطويلة من اتفاقيات السلام خلال نصف قرن من الزمان.
بالمقابل يجلس الثوار وعلماء وخبراء السودان والمبدعين من المخلصين من أبناء السودان ( الذين يجسدون الجانب الأكبر لإرادة الشعب الثائر ) على الرصيف يجتهدون في تقديم عصارة معارفهم من أجل نهضة البلاد ولكن دون جدوى، بينما يستجدي الثوار لتحقيق مطالبهم المتعددة والتي تشكل في الأصل المرجعية للفترة الانتقالية والتي بموجبها تدخلت القوات المسلحة وأعلنت إنحيازها للثورة بكل مكوناتها وليس لقوى الحرية والتغيير أو لتلك الجهات السياسية أو العسكرية.. مشهد غريب .
ما هي أهداف الثورة
طالما أن مرجهية الفترة الانتقالية هي الثورة السودانية، فينبغي تحديد أهداف الثورة من واقع شعاراتها الأكثر ترديداً وإجماعاً، وبالتالي فإن أي مخالفة لهذه الأهداف، ( كما يحدث الآن ) يعد سرقة للثورة، وهو أشبه بالانقلاب العسكري على الشرعية، ويمكن اختصارها فيما يلي:
بناء سودان يسع الجميع يسوده السلام الاجتماعي ويحترم التنوع، وذلك بإقامة دولة دستورية موحدة، يمارس فيها الحكم الراشد، تحمي وتحافظ على كل اعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية او الدينية او الفكرية يفهم روح الإسلام، تقوم على السلام والتسامح والإحساس باللآخر، أساسها الحرية والسلام والعدالة، تنتهج الديمقراطية المرتكزة على العلم والإبداع والأخلاق، تعزز فيها الإرادة السودانية وعزة وكرامة السودان وعزة وكرامة المواطن السوداني، يتم تداول السلطة فيها سلمياً، تقوم على الهوية السودانية، تسقط فيها العصبيات الجهوية والقبلية، وتسقط فيها أي ممارسات تقوم على الجهوية والقبلية والحزبية، وتسود فيها المساواة في الحقوق والواجبات وممارسة الحقوق وفق المواطنة، تحقق فيها العدالة الاجتماعية والاقتصادية، من خلال مؤسسات قومية سواء مدنية أو عسكرية، مع رد المظالم والحقوق، ومحاسبة كل من أفسد وأجرم في حق الدولة.
سيادة أجندة الآخر
بدأت الفترة الانتقالية في ظل ضعف مخِل في إدراك طبيعة التعقيدات والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تحيط بالبلاد، وكنت قد تحدثت مبكراً في فيديو سابق عن موقع السودان من الصراع الاستراتيجي الذي يدور حول المخزون الضخم من المعادن الاستراتيجية الثمانية والنفط والاحتياطي الاستراتيجي من الغاز واليورانيوم عالي النقاء فضلاً عن الاراضي الزراعية والمياه بجانب الصراع المحموم حول الموقع الاستراتيجي للدولة بين الاقليم العربي والافريقي مطلاً على البحر الاحمر حيث سيعبر الممر الافريقي وطريق الحرير في ظل تجارة دولية ستعبر المنطقة يسبقها عمليات إنتاجة ضخمة، سترتفع من 2.5 الى حوالي 3.5 تريليون دولار.
وهذا يجعلنا نفهم السبب في تجميد جهاز التخطيط الاستراتيجي للدولة بدلاً من تطويره ليتولى دوره في هذه الفترة الحرجة……… إن تعطيل العقل الاستراتيجي للدولة الذي يمثل مركز التفكير الوطني هو عمل معادي دون شك، تم بدهاء وبإيحاء من جهات تعمل لأن يظل السودان دون تفكير، وساعد جهل بعض السودانيين في تمريره.
ولعل بعضكم يتذكر حديثي عن الصراع الاستراتيجي حيث أشرت للأدوات التي يستخدمها الطرف الآخر (كأدوات) مثل العقوبات، مصيدة الديون، الاضعاف الاقتصادي والتفتيت الاجتماعي برزراعة الكراهية بين ابناء الشعب وتفتيت النسيج الاجتماعي بالانتماءات الجزئية .. إلخ وجميعها تعمل الآن بكفاءة في المسرح السوداني.
ثم اشرت في فيديو آخر الى السعي لتجهيز المسرح من أجل ابتزاز السودان، ولعل الواقع يشير لكل ما توقعته، واهمه هو استمرار العقوبات الامريكية على الشعب السوداني ( رغم براءة الشعب وبراءة السلطة الانتقالية من الاتهامات المزعومة) واستمرار مسلسل وعود الدول الغربية للسودان بالمساعدة دون فعل، مع استمرار الوعود باعفاء الديون والرفع من قائمة الدول الراعية للارهاب رغم أن راعي الضأن يعلم أن السودان أبعد ما يكون عن ذلك، مع تكثيف الضغط على الحكومة لرفع الدعم دون ترتيبات تتعلق بالمساعدة في الانتاج، الشئ الذي يقود للانهيار الاقتصادي ( وقد حدث ذلك فعلا ) وارتفاع الاسعار لاكثر من 500% والدولار من 70 جنيه إلى ما يزيد عن المائتين مع انخفاض مهول للقوى الشرائية، الشئ الذي يهدد بثورة الجياع والانفلات الأمني.
عموماً في ظل غياب الرؤية والقدرة على قراءة المشهد الكلي بدأت السلطة الانتقالية خطواتها بتوجه تنقصه الحكمة نحو الخارج مع إهمال واضح للداخل رغم المد الثوري الكبير الذي كان يحتاج فقط للقيادة والتوجيه، ليتحول من التروس والمواكب نحو الانتاج، حيث اقتصر كثير من الجهد الداخلي في تنفيذ أجندة الخارج المتمثل في استيفاء ترتيبات متكاملة لإعادة هيكلة الدولة وفق مرجعية فكرية خارجية تعبر عن مصالح أجنبية، تشمل إعادة هيكلة الخدمة العامة والقوات المسلحة والشرطة والمخابرات وإعادة هندسة التشريعات وفق مرجعية خارجية غير سودانية، في سلب واضح للارادة الشعبية ولاستقلال السودان.
والنتيجة النهائية كما توقعنا .. فنعيش الآن حالة الجوع والفقر وانتشرت الجريمة والعصابات التي تنهب المواطنين، وتبعاً للانهيار الاقتصادي حدث انهيار للتعليم مع تجميد عام دراسي وتهديد بتجميد عام آخر، في ظل مؤسسات تعليم عالي حكومي دون إيرادات، وانهيار القطاع الصحي، وكثير من مؤسسات الدولة لا تعمل بشكل طبيعي.
لقد بدا واضحاً أن معظم الترتيبات التي قامت بها السلطة الانتقالية التي جاءت في الإطار اعلاه تدخل في نطاق الاختصاصات التي يجب أن يبت فيها الشعب عبر البرلمان المنتخب او الاستفتاء، في مخالفة واضحة لمبدأ الديمقراطية واهداف الثورة.
إقصاء طرفي المعادلة السياسية
لجأ الشعب (الطرف الأصيل) للجيش (المؤسسة الدستورية الأكثر رسوخا ومهنية في الدولة) فاستجاب الجيش ونجحت الثورة بسبب هذا الإنحياز. وحتى يكتمل مخطط الإبتزاز والتفتيت يجري العمل لزرع الخلافات بين الثوار، ونسف الشراكة بين الجيش والشعب، بالرغم من ان أساس السلطة الانتقالية هو انحياز للقوات المسلحة للثوار. واخطر ما يجري الآن هو نسف هذه الشراكة تمهيداً لهيكلة الجيش والغائه كما جرى في العراق، وهذا هو السبب الحقيقي لمنع التمويل من الجيش وشيطنته والإساءة له، في تناقض كبير بين سلوك ثوري طبيعي احتمى بجيشه وظل مترقباً متلهفاً لإسناده للثورة ( وكلنا رأينا الفرح الهستيري بانحياز الجيش للثورة ) وبين سلوك سارقي الثورة الذين ظلوا يسعون لشيطنة الجيش وسعوا لنشر شعارات متفرقة تسئ له. هذا بجانب إضعاف أو إلغاء جهاز المخابرات. ولا بد هنا من إشارة إلى إستحالة إدارة أي دولة بشكل سليم بدون مظلة مخابرات احترافية، فمظلة إدارة الصراع الاستراتيجي الدولي هو المخابرات، ويجب علينا أن نفرق بين جهاز مخابرات يحمي نظام (ما) أو حزب (ما)، وجهاز مخابرات يحمي الدولة ومصالحها ومواطنيها. والسؤال المهم في هذا السياق هو من المستفيد من جعل السودان دون غطاء مخابراتي في ظل ظرف يشهد اخطر مراحل الصراع الاستراتيجي حول المنطقة، كان ينبغي الحديث عن تطوير جهاز المخابرات كجهاز دولة وتنقيته من أي عناصر غير مهنية وأي عناصر تتبنى أجندة ضيقة.
وتبعا لذلك وصلنا لواقع غريب، وهو غياب طرفي المعادلة السياسية، وهما الجيش والثوار، الاول يتم شيطنته تمهيداً لالغائه أما الثوار فقد حل مكانهم احزاب وحركات جزء كبير منهما لم يكن شريكاً في الثورة إن لم يكن واقفاً ضدها في لحظات الانطلاق الاولى، وذلك من خلال السرقة التي حدثت بتفويض مزيف
بينما تجري هيكلة الخدمة العامة عبر تمكين جديد يضرب بعرض الحائط كل معاني التنافس الشفاف للوظيفة العامة، في تخطي آخر لارادة الشعب ومبادئ الحكم الرشيد.
وتجري عمليات لتغيير القوانين والمناهج من أجل انجاز عمليات هندسة إنساية جديدة، وبناء ثقافي واجتماعي ومعرفي وفق مرجعيات غير وطنية، أو على الاقل وفق مرجعية جهات لا تعبر عن الإرادة الشعبية، وهذا ينافي أبسط معاني التخطيط القومي الذي يجب أن يبنى على قاعدتين هما الإسناد الكافي من المعرفة والاسناد الشعبي، وكلاهما مفقود……… إن هذه الترتيبات تمثل ذات الشروط التي ظلت تفرضها الدول الغربية على السودان منذ عقود وإلا فالويل والثبور.
مرحلة سيطرة القلة
اكتمل كل ذلك العمل من خلال تعطيل واضح للمحكمة الدستورية، ومماطلة في تكوين الجهاز التشريعي، وقبل ذلك خيانة الثورة عبر تكوين سلطة تنفيذية إتحادية عبر محاصصات حزبية عوضاً عن حكومة كفاءات وطنية مستقلة، .فبتعطيل ( لُب ) السلطة القضائية (المحكمة الدستورية) وتعطيل المجلس التشريعي (كسلطة تشريعية ورقابية)، مع سلطة تنفيذية حزبية غير متسقة مع تطلعات الشارع، نجد أننا نعيش في ظل نظام تسيطر فيه قلة من السياسيين أمنوا أنفسهم وقراراتهم من الرقابة البرلمانية والقضائية وسيطروا على الجهاز التنفيذي للدولة، والآن يمتد هذا السيناريو للمستوى الولائي. وكل ذلك في ظل جو سياسي مسموم وارهاب فكري متطرف وفاسد، يخوِّن وينسف كل من ينقد، لتصبح قلة من محدودي المعرفة يصدرون صكوك الاخلاص الوطني او الخيانة الوطنية.
معظم هؤلاء غير مدركين للمشهد الكلي حول الدولة بما فيهم كثير من السياسيين وقادة الحركات المسلحة، وأن هذه التكتيكات التي تفتقر للحكمة وبُعد النظر،ستقود دون شك الى استمرارحالة عدم الاستقرار بل ستدخل البلاد في حرب أهلية تنتهي بتقسيم السودان إلى دويلات .. وعندها لن يجد هؤلاء وطناً كي يعبثوا به.
الجيش والسياسة
من القضايا التي تتم المراهنة عليها لترتيب المسرح السياسي هو قضية علاقة الجيش بالسياسة، ولعلنا جميعاً ندرك أن الوضع الطبيعي لأي بلد ديمقراطي هو وجود برلمان يمثل ارادة الشعب… وسلطة تنفيذية مستقلة، وسلطة قضائية مستقلة في ظل فصل بين السلطات، مع رؤية وطنية يجيزها الشعب عبر البرلمان كخطة للدولة، وجيش في ثكناته يحميها.
واقول ونحن نتحدث حديث الصراحة، أن ازمة السودان تكمن في غياب الرؤية الجامعة القادرة للتعامل مع الظروف والتعقيدات الداخلية والخارجية وهو من أكبر أخطاء الاحزاب، حيث أنه وبسبب غياب هذه الرؤية التي تمثل الدليل الوطني لستة عقود، فقد تدنى الأداء السياسي وأدى لإدخال المؤسسة العسكرية في المعادلة السياسية، حيث تم في صدر الاستقلال نقل السلطة إلى الفريق عبود عبر توجيه حزبي، ثم استمر هذا السيناريو بأشكال مختلفة حتى 1989، فشاركت جميع القوى السياسية الفاعلة في إقحام وإستغلال الجيش في السياسة. وجرت الانقلابات العديدة مثل انقلاب الرشيد الطاهر بإسناد من الاسلاميين، ثم انقلاب جعفر نميري بإيعاز ومباركة اليسار ، ثم انحياز المشير سوار الدهب للثورة بطلب من الشعب ، ثم انقلاب الانقاذ المسنود من الحركة الاسلامية، وتبعه انقلاب البعثيين، ثم بروز ظاهرة العمل المسلح للاحزاب الثلاثة الكبيرة ومحاولة دخول الخرطوم في السبعينات، ثم تطور بتأسيس جيش الأمة وجيش الفتح ودخول عهد الحركات المسلحة وكلها ذات خلفيات سياسية من اليمين الى اقصى اليسار،( أحزاب فشلت أن تقيم الديمقراطية في داخلها ولجأت للحلول العسكرية وتدعي سعيها لبناء سودان ديمقراطي ) …. هذا الواقع المؤسف يشير الى ان اقحام الجيش في السياسة هوعمل تم من قبل السياسيين نتيجة لضعفهم ونقص معينهم المعرفي والفكري و عجزهم في بلورة فكر وطني وصيغة سياسية تناسب السودان ومطلوبات العصر، مع ضعف في الوعي الاستراتيجي وثقافة الامن القومي والتمييز بين الدولة والحزب، وعدم توفر المعارف والمهارات والسلوك اللازم لإدارة دولة في ظل ظروف معقدة، كل ما هناك سعي نحو الكراسي دون اهتمام كافي لما بعد الجلوس في الكرسي. هذه الهشاشة هي التي دائماً تجعل الاحزاب تلجأ للقوات المسلحة لإعادة ضبط المسرح، ليس بسبب قوة السلاح وإنما لكونها مؤسسة منضبطة إدارياً، لا يقابلها مؤسسة مدنية منضبطة حتى الآن.
لذلك فإنني أرى في ظل الهشاشة السياسية الحالية وغياب حاضنة سياسية راشدة تعبر عن توافق وطني حول غايات ومعاني وقيم تتناسب وصناعة المستقبل، في ظل المخاطر التي باتت تهدد الأمن القومي وتهديد وحدة الشعب والتراب في ظل حلول سياسية طرفها حركات مسلحة مدعومة في كثير من الأحوال من جهات أجنبية، فإنه علينا أن ندرك أن إخراج الجيش من المعادلة السياسية يتطلب استيفاء الترتيبات الاستراتيجية لعلاج الأخطاء التي أدخلته إبتداءً في العملية السياسية، وإلى ذلك الحين يصبح من غير الحكمة المخاطرة باستبعاده دون ترتيب.
إن ما يجري الآن لا صلة له بالأسباب التي جرت من أجلها الثورة، انهيار اقتصادي، تردي للخدمات، استمرار الفساد والمحسوبية، تمكين جديد، محاصصة، تنفيذ لأجندة محلية وأجنبية، فيما دخل السودان مرحلة الابتزاز الذي يقود للسيطرة على موارده وبدأت العمليات الحاسمة لتفتيت السودان والسيطرة على موارده وموقعه الجغرافي.
ولكي نعبر الفترة الانتقالية التأسيسية بسلام ونمنع خسارة الثورة بكل ما فيها من تضحيات، فإن أشد العناصر حساسية في الوضع الحالي ( هو ما لا يجب أن يحدث ) وليس ما يجب أن يحدث ، وأن الاستقطاب الموجود في الشارع الآن هو بسبب تجروء السلطة الانتقالية على تناول قضايا استراتيجية في غاية الأهمية تتعلق بالأمن القومي والتوجه الاستراتيجي للدولة، وهي مجالات تحتاج في العادة للإجازة من الأغلبية المطلقة للبرلمان الطبيعي وربما تحتاج للاستفتاء، بالرغم من أن المرحلة هي مرحلة انتقالية والشرعية فيها شرعية تقديرية وغير انتخابية، وهذا سلوك يحفز الاستقطاب وينسف وحدة المشاعر الوطنية وينسف بالتالي المسرح الوطني المطلوب للانطلاق نحو المستقبل. .
بالتالي فإن معالجة حالة الاستقطاب الحاد والتفلت الأمني وتحقيق الاستقرار، لا يمكن أن يتم بالمحاصصة وتغيير بعض القيادات والوزراء هنا وهناك، وإنما بتوجه حكيم يُعلي الوطن والإرادة الشعبية، والعدل والعلم والهوية السودانية، وخطاب جديد يؤسس لتحقيق المصالح الوطنية والأمن القومي ويؤسس لشراكة دولية عادلة تراعي الأمن الإقليمي والعالمي..

عليه وأمام هذا الانفلات الكبير الذي حدث ويتوقع أن يحدث في الأسابيع القادمة نتيجة الموازنة المعدلة والمخططات الجاري تنفيذها في الولايات، فلن يكون مقبولاً الاكتفاء بما تم من إسقاط للنظام وترك البلاد تغرق في مستنقع الفتن والمؤامرات الأجنبية والمصالح الضيقة، فالواجب إذا هو استعادة إرادة الثورة وإرادة الشعب السوداني، من خلال إستعادة المسروق وليس استجداء السارق. فليس مقبولاً أن يطالب الثوار جهات لم يفوضوها بشكل صحيح وصريح، بتنفيذ مطالبهم،وليس بالاستجابة لمطالب جهات غير مفوضة، وبالتالي فالوضع الأمثل هو تصحيح الأوضاع والأخطاء بإعادة توجيه الدولة، ووقف الترتيبات التي باتت تهدد الأمن القومي بشكل واضح، وذلك من خلال سحب التفويض (المزيف) من قوى الحرية والتغيير، وتنظيم الثوار ومن يقف معهم من العلماء والخبراء، لأنفسهم لتولي مرحلة ما بعد سقوط النظام كتنظيم ثوري يعبر عن الدولة لا عن حزب ولا عن قبيلة.
الخلاصة:-
غياب المشهد الكلي والخطر الاستراتيجي الذي بات يهدد الدولة، عن غالبية اطراف العملية السياسية.
هناك محاولات لاعادة هيكلة الدولة وفق مرجعيات أجنبية واخرى محلية ضيقة تنتهي باستباحة الموارد الطبيعية والمزايا الجغرافية للدولة مع إعادة تشكيل ثقافي اجتماعي وفق مرجعيات فكرية خارجية. وقناعات شخصية لبعض القيادات السياسية والعسكرية .
نشهد حالياً عمل منظم لإفساد المسرح السوداني من خلال استخدام أدوات وتكتيكات تضم عمليات الارهاب الفكري والتمكين لجهات تفتقد للتفويض الشعبي ودون الإلتزام بأسس الكفاءة والمواطنة، مما يعني مزيد من الاستقطاب في المسرح السياسي، الشئ الذي يحرم السودان من الانطلاق نحو المستقبل،فالانطلاق بداهةً يحتاج لمسرح تسوده مشاعر وطنية موحدة.
نحن أمام مفترق طرق: إما أن تدار الدولة بارادة السودانيين أو بارادة جهات غير مفوضة من الشعب أو إرادة جهات خارجية.
يجري تهيئة المسرح لابتزاز السودان، وقد وصلنا مرحلة متقدمة بالغة الخطورة تهدد بقاء الدولة وثرواتها.

هناك من يسعى لنسف الشراكة بين الجيش والثوار، بهيكلة الجيش وشيطنته وتفتيت الثوار وزرع الخلافات بينهم ومنع توحدهم.

لا توجد في الساحة السياسية جهة مفوضة من الثوار بطريقة صحيحة وواضحة وصريحة مما يعني سرقة الثورة.

ممارسة الوصاية على الشعب السواني واستلاب الارادة السودانية، حيث تتبنى السلطة الانتقالية أجندة تحتاج لتخويل انتخابي، بالرغم من أن الفترة الإنتقالية ينبغي أن تسير وفق برنامج وطني محايد خال من التحيزات والميول الحزبية والأيدلوجية.
انحياز الجيش كان للثورة لا لجهة ما، وينبغي إعادة توجيه الدولة وفق هذه المعادلة.
ياب أهداف وطنية كبيرة مشتركة بين السودانيين، فتح المجال للخلافات بينهم، والعكس صحيح، فما نجحت الثورة إلا لوجود هدف كبير مشترك وهو إسقاط النظام، وعندما غاب الهدف المشترك برزت الخلافات حتى بين الشباب.
إدارة الدولة بقيادات معظمها يفتقد للوعي الاستراتيجي وثقافة الامن القومي وتعقيدات الصراع الدولي ومهارات وعلوم إدارة الدول يشكل تهديداً كبيراً في هذا الظرف الدقيق.
من السذاجة بمكان الرهان على أدوات النظام العالمي لحلحلة مشكلات السودانيين دون ترتيب استراتيجي وطني، فالعالم لا تحكمه الملائكة، والسودان الآن في مرحلة من الضعف تجعله في دائرة (الابتزاز السياسي)، فهو غير قادر على فرض شروطه في التفاوض الدولى ومعرّض للدخول في سلسلة من التنازلات التي قد تنتهي بتفتت الدولة.
هناك ضعف في الإرادة عند بعض الأطراف السودانية لأسباب لا نود الافصاح عنها.
لقد هيأت ثورة ديسمبر حالة من الإلتحام الوجداني غير المسبوق، وحس وطني مرتفع وطاقة شبابية جبارة ومتحمسة. لكن بدلاً عن العمل على إستغلال تلك الحالة الوجدانية الراقية تجاه توحيد السودانيين في رؤية وطنية جامعة وحشد الطاقات المتحمسة نحو البناء، إتجهت حكومة الثورة نحو الخارج لمعالجة القضايا الداخلية، ومارست سلوك سياسي أضعف الإلتحام الوجداني الذي تشكل عند الثورةبل قاد لاستقطاب حاد جداً

ظل المفهوم التقليدي للنضال في السودان قاصراً على العمل المسلح والنضال السياسي، وكلاهما غالباً ما يفتقد للمعرفة والفكر المطلوب لتحقيق النهضة والسلام، حيث يتم السعي نحو كرسي السلطة دون المقومات المطلوبة لقيادة الدولة نحو المستقبل، نحو غايات وطنية محددة وما يتطلبه ذلك من القدرة على التعامل مع التعقيدات والظروف المحيطة بذلك، الشئ الذي قاد لاستمرار متلازمة الفشل السوداني، فيحدث الإحباط الشعبي، فتقوم الثورات الشعبية العظيمة ويسقط الشهداء والجرحى ويسقط النظام المعين. وكل ذلك يحدث دون إهتمام بما بعد الاسقاط وهو مرحلة البناء والنهضة والتي تتطلب الفكر، المعرفة، العقل الجمعي والسلوك الذي يُعلي الوطن والعلم. وهذا هو سبب دوران السودان في حلقة مفرغة منذ الاستقلال، وهكذا ظلت الثقافة السودانية تمجد مناضلي السجون وتمجد إسقاط الأنظمة، والبعض يمجد العمل المسلح، لكننا لا زال كثير منا لا يقدر النضال الفكري رغم أن التجارب الإنسانية أثبتت بشكل قاطع أنه الطريق الوحيد نحو النهضة والسلام.
عليه فإن الظرف الراهن يتطلب القيام بعمل لا يقل أهمية عن عملية إسقاط النظام وهو استكمال الثورة واستدعاء النضال الفكري، مؤمنين بأن التأسيس لمستقبل شعب كبير له تاريخ عظيم، يستدعي رؤية كبيرة وأفكار كبيرة وسلوك كبير ومعاني كبيرة وقيادة كبيرة، وذلك باتخاذ الخطوات التالية:
حاكمية أهداف الثورة
إن أهداف الثورة يجب أن تمثل المبادئ الهادية لإدارة هذه الفترة الحرجة من تاريخ السودان. يجب أن يعمل الجميع على إعادة التموضع تجاه خدمة أهداف الثورة، يجب على الجميع التخلي عن العباءات الحزبية والقبلية والأيدلوجية وما يترتب عليها من تراشق وتخوين وتشاكس وجدل مهدر للطاقات ومثبط للهمم، علي الجميع الإرتفاع لقامة الوطن الكبير، فالسودان، وعبر تاريخه الحديث أضرت به الممارسة التقليدية للسياسة وعرضت إستقلاله وسيادته للخطر، والآن الدولة السودانية في ذروة هذا الخطر.
تصحيح الخطأ الذي حدث في البداية عند سقوط النظام وذلك بإعادة تشكيل الحاضنة السياسية التي تعبر عن كل من شارك في الثورة بمختلف انتماءاتهم، واستعادة إرادة الثورة وإرادة الشعب السوداني كحاضنة ثورية تنحاز للوطن فقط، نتخلى فيها عن الإنتماءات القبلية والجهوية والحزبية، لتمثل الثوار داخل وخارج السودان بما في ذلك الثوار من العلماء والخبراء الذين شاركوا بنضالهم الفكري من اجل الوطن، ومن ثم عدم الاعتراف بأي جهة تدعي تمثيلهم.
التوافق على أهداف الفترة الانتقالية التأسيسة المستوحاة من شعارات الثورة المجمع عليها والأكثر ترديداً، وهي المرجعية الحقيقية الوحيدة التي يجب أن تشكل مرجعية الفترة الانتقالية وليس أي مرجعيات لا سند شعبي أو ثوري لها، إلى حين قيام الانتخابات.
الإعلان عن فترة ما قبل الانتخابات كفترة إنتقالية تأسيسية لا تنتهي فقط بنقل السلطة كما جرت العادة وإنما تمتد لاستيفاء الترتيبات المطلوبة لنهضة السودان وتحقيق السلام المستدام عبر المؤتمر الاستراتيجي بغرض إنتاج الرؤية الوطنية التي يجيزها البرلمان المنتخب أو الاستفتاء العام.
تشكيل برلمان من شعبيين وخبراء وطنيين ممن تنطبق عليهم صفات الصدق والتجرد والوطنية والاخلاق، يؤسس للسلطة الشعبية والمهنية، يتكون من غرفتين، الأولى منهما للتمثيل الشعبي الجغرافي، والثانية للتمثيل المهني في مجالات الاقتصاد والبيئة والتنمية الاجتماعية والثقافية والسياسة والعلاقات الخارجية والأمن والتقانة والعلوم والإعلام .
تشكيل حكومة جديدة من خبراء وطنيين، تقوم بتنفيذ خطة ومهام محددة.
تلتزم الحكومة الجديدة بخطاب وتوجه سياسي يعبر عن الثورة وعن الإرادة الشعبية ويوحد الوجدان والمشاعر مثل ما كان في ساحات الاعتصام، خطاب يرتكز على الهوية السودانية والمواطنة كأساس للحقوق والواجبات، ويؤسس كذلك لممارسة سياسية تخدم وتصون المصالح الوطنية وكرامة الإنسان السوداني، وممارسة سياسية ترتكزعلى العدل والاخلاق والمعرفة والابداع.
التوافق على خطة محددة للفترة الانتقالية تتضمن البرامج والمشروعات والسياسات والآليات المطلوبة للتعامل مع الأزمات ( الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية ) الراهنة والعبور فوق الأزمة وكذلك التأسيس للعبور نحو المستقبل وما يتصل بذلك من صناعة المناخ الوطني اللازم .
أن الظرف التاريخي والمسئولية الوطنية والأخلاقية تحتم على الجهات السياسية والعسكرية التي قادت النضال ضد نظام الإنقاذ وسعت في إدارة حوارات معه، أن تدرك بأن الطرف الآخر للنزاع قد تم إسقاطه، ومن ثم لا معنى لإستمرار هذا النزاع وذلك الحوار لزوال الطرف الآخر، وإنما الإنضمام إلى منصة وطنية محايدة يتم عبرها إدارة حوار استراتيجي حول قضايا الدولة وإتمام عمليات مشورة وطنية مع الشعب السوداني عبر الدراسات الميدانية والاستفتاء، وإجراء مشورات علمية مع خبراء وعلماء السودان، حتى نتوصل لرؤية سودانية كخطة للدولة السودانية بكل تنوعها وثرائها، تعبر عن الوجدان الوطني وعن تطلعات كل ولايات السودان.. وأرجو ان لا تصبح القناعات الشخصية أو نقاط الضعف أو وجود بعض الارتباطات لدى البعض، عقبة أمام انطلاق السودان نحو المستقبل. ومن أراد الوصول للسلطة فعليه أن يأخذ الإذن من الشعب السوداني عبر صندوق الإنتخابات.
إعمالاً لمبدأ الديمقراطية وتحصينا للدولة من استمرار حالة عدم الاستقرار والمحاولات المتعددة لفرض العديد من الأجندات الضيقة والخارجية والقناعات الشخصية لبعض القيادات ، يتم تأمين الفترة الإنتقالية من أي نشاطات تتخطى إرادة الشعب السوداني، لا سيما أنه لا توجد جهة سياسية أو عسكرية تملك دليلاً لتفويضها من الشعب السوداني.
تأسيس وتطوير وتعزيز الآليات اللازمة وأهمها
المنصة الوطنية ( المؤتمر الاستراتيجي السوداني ) التي يتم عبرها إنتاج الرؤية الوطنية في نسختها الأخيرة ومسودة الدستور الذي يؤسس ويحمي هذه الرؤية، والتي يجيزها البرلمان المنتخب.
فريق الرؤية السودانية، الذي يؤسس لتحقيق الفاعلية والحيوية للأداء العام وضبطه، وتحقيق هيبة إدارة السلطة الانتقالية، ويضمن تنفيذ الأهداف والسياسات والقرارات المحددة في الوقت المحدد بالجودة المحددة.
السلطة القضائية والنيابية المستقلة العادلة الناجزة، وإتمام فصل السلطات
مركز التفكير والتخطيط الوطني ( العقل الاستراتيجي للدولة ) وما يتصل به من مؤسسات الإنتاج المعرفي والابتكار والابداع والمعلومات.
مفوضية النزاهة ومكافحة الفساد، وتكون كل السلطة الاتتقالية خاضعة لاختصاصاتها كما تتولى مراجعة ملفات الماضي.
مفوضية الخدمة المدنية، وتتولى مراجعة الخدمة المدنية ومعالجة كل المخالفات القانونية وتتولى عمليات التعيين وفق ضوابط المواطنة والكفاءة دون أي اعتبار لإنتماءات حزبية أو إثنية أو جهوية
هيئة المواصفات والمقاييس، كسلطة مهنية لا يتجاوزها القرار السياسي.
المراجع العام ، كسلطة مهنية لا يتجاوزها القرار السياسي.
إعادة إنتاج الوثيقة الدستورية لتعبر عما سبق ذكره.
الشعب السوداني الكريم ، أيها الثوار
هذه ثورتكم التي خرجتم وضحيتم وبذلتم الدماء من أجلها واسشهد من أجلها الشهداء الاكارم، لا نرى ثمناً أو جزاءً ووفاءً لذلك سوى تحقيق الأهداف التي خرج في سبيلها الثوار واستشهد من أجلها الشهداء، وذلك بقبول التحدي الكبير الماثل أمامكم، ولكنه دون شك يتقاصر عن إرادتكم.، العدو من خلفكم والبحر أمامكم، فأمامنا خيارين إما الاستسلام لعدو الماضي باخطائه ومراراته وسلبياته وما يرتبط به من تشاكس ورغبة في الانتقام وسلب لإرادة الشعب، أو خوض غمار التحدي بأشرعة المستقبل بكل ما يحمله من طموحات وأمنيات هذا الشعب النبيل الأبي، وما يرتبط بذلك من تسامي وتسامح وتخطيط ومعرفة وسلوك سياسي راشد يُعلي الوطن ويعزز إرادته .
آن الأوان لمواكب الإنتاج وتروس المعرفة وحشود الإبداع، آن الأوان لتجسيد السلوك والمعاني السامية التي مورست في ساحات الاعتصام لتصبح واقعاً في المشهد السوداني، عطاءً وبذلاً وإحساسا بالآخر وتساميا فوق العصبيات .
آن الأوان لاستدعاء سلطة العلم والمعرفة، علماء وخبراء ومبدعي السودان ليتولوا مهامهم في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة.
علينا تفجير طاقات الشباب وموارد البلاد البشرية والمادية، وتعزيز التحامنا الوجداني والاتجاه نحو الداخل لإنجاز ملحمة الانتاج، ملحمة العبور فوق الازمة نحو المستقبل الواعد.
إن مستقبل السودان يتلخص في استيفاء ثلاث ترتيبات
الالتحام حول رؤية سودانية تعزز الارادة الشعبية وتضئ الطريق الوطني وتشكل عنصر قوة للدولة في مواجهة التحديات والتدخلات والأجندة الضيقة، تقوم على الهوية السودانية ، تؤسس لسلوك سياسي راشد ترتكز على العدالة بمفهومها الشامل، ولتنمية مستدامة شاملة ومتوازنة.

الاتجاه بقوة نحو الداخل للانتاج والخروج من وهم التفكير الذي يربط مستقبل السودان بالخارج فقط… والتوقف عن السير في مسلسل الوعود الاجنبية، فالإتجاه للداخل سيقود حتماً لتعزيز إرادة الشعب وسيفرض لاحقاً حوار خارجي مبني على الندية والمصالح المشتركة.
تهيئة المناخ الوطني الملائم
واختم برسالة للقادة من السياسيين والعسكريين، مستقبل البلاد يتوقف بدرجة كبيرة على موقف شجاع منكم، وقد جاء بكم القدر في لحظات تاريخية يشهد فيها السودان مراحل التنفيذ النهائي لاستراتيجيات ظلت تعمل في السودان بخبث ودهاء منذ عقود، لتحقيق ذات الأهداف الاستعمارية القديمة لكن بوسائل مختلفة. ،
ضاعت منا 65 سنة بسبب سلبية المنهج والسلوك السياسي وأنانية البعض، وستضيع سنوات أخرى ، … نحن أمام لحظة صدق.. وإحساس بالمسئولية، لحظة إحساس بالشجاعة ومواجهة الذات مع الأنا، … إما سريان المصلحة العامة أو سريان الأجندة الخارجية وأجندتكم وقناعاتكم الشخصية،
ظللتم تبحثون عن السلام في المكان الخطأ وعبر الطريقة الخطأ.. وهكذا جُبتم مدن وفنادق العالم.. نيروبي، أديس أبابا، كمبالا، أبوجا، مشاكوس، أسمرا، نيفاشا، الدوحة، القاهرة، الرياض، الكويت، طرابلس، لندن، جنيف، واشنطن، باريس، روما،…… وجوبا لن تكون آخر المحطات للبحث عن السلام، فقد وقعنا للعشرات من مثل هذه الاتفاقيات وفشلت في تحقيق السلام، .. لا زلنا غير قادرين على استيعاب الدرس ، لأن الطريق نحو السلام وفق التجارب الإنسانية ومدارس الفكر الراقية، أساسه رؤية وطنية تعبر عن إرادة شعبية تؤسس لالتحام وجداني حول غايات ومنظومة قيم، تؤسس للتنمية الشاملة الثقافية الاجتماعية الاقتصادية السياسية العلمية التقنية، وليس مجرد تقاسم للسلطة والوصاية على الشعب الذي هو مصدر السلطات بالاتفاق على قضايا من اختصاصه …يا سادتي السلام هو المحطة الأخيرة لقطار التنمية.
ارجو ان تتصرفوا بالطريقة الصحيحة وسجلوا لانفسكم مواقف كبيرة .. ولتعلموا أن بناء الدول يحتاج لافكار كبيرة ولقيادة كبيرة، كونوا كباراً وإلا فاستعدوا لمحكمة الشعب ومحكمة التاريخ.

قم بمشاركة الخبر علي
قم بمشاركة الخبر علي
تابعنا علي قناتنا في الواتساب